عمليات القتل الرحيم من المسائل المثيرة للجدل، فهي تقع بين مؤيد ومعارض، ويُقصد بالقتل الرحيم، أو الطوعي أو ما يسمى أيضًا بالانتحار بمساعدة الطبيب، إعطاء الشخص المريض بمرض عُضال يستحيل شفاؤه، مثل التهاب الرئة المزمن الذي يمنع التنفس، إلا عن طريق أجهزة التنفس الصناعي أو أمراض السرطانات المنتشرة بكثره في جسد المريض، جرعة قاتلة من دواء مُعد مسبقًا لا يسبب ألمًا، حيث يود المريض التخلص من حياته بسبب ما يعانيه من مضاعفات المرض وشدة الألم.

وهناك حالات أخرى يكون المتحكم في قرار موت المريض بالقتل الرحيم هو أحد أقاربه، وذلك لفقدان المريض الوعي (غيبوبة) لوجود أضرار بالغة الخطورة بالدماغ، وبالتالي اعتماده على أجهزة التنفس الصناعي، وفي هذه الحالة أيضًا يستحيل شفاء المريض وفقًا لما يُقره الطبيب، وحينها يتم فصل الأجهزة عن المريض.

تجيز قوانين بعض الدول الأوروبية عمليات القتل الرحيم ، فيصنف القتل الرحيم من الناحية القانونية بأنه قتل عمد.ولكن الباعث لا يُعد من أركان الجريمة الحقيقية، كما أن كل ما يشترطه القانون في محل القتل أن يكون المجني عليه إنسان حي ميؤوس تمامًا من شفائه.

ولهذا فإن الكثير من الدول لجأت إلى تخفيف عقوبة القتل الرحيم، كالقانون الإيطالي واللبناني، ولجأت دول أخرى إلى إباحة القتل رحمة بالمريض، ففي سويسرا أصبح قانونيًا عام 1937، وفي عام 1938 تم تأسيس جمعية القتل الرحيم في أمريكا للضغط نحو تقنين الموت الرحيم.

وبدأت بعض الولايات تقر قوانين الموت الرحيم منذ السبعينات أولها ولاية أوريجون، وتم وضع قانون ينظم عملية الموت الرحيم في ولاية واشنطن ومونتانا عام 2009، كما ألغت كل من هولندا، وبلجيكا القوانين التي تُجرِّم الموت الرحيم عام 2002.

ولكن الأمر أصبح مخيفًا في هولندا ويزداد بشكل كبير، حيث زادت طلبات القتل الرحيم عام 2019 بنسبة 22% عن عام 2108، ومن الدول التي تسمح بالموت الرحيم أيضًا لوكسمبورغ عام 2009، كولومبيا عام 1997، كندا بين عامي 2014 و2016.

نفذت في بلجيكا 17 سبتمبر (أيلول) لعام 2016 أولى عمليات القتل الرحيم في البلاد بحق طفل مريض كان يرقد في حالة حرجة، وتمت العملية تطبيقًا لقانون قد أقرته بروكسل عام 2014 يسمح بالموت للأطفال من كل الأعمار دون حد أدنى للسن، ويساعد الأطباء على تنفيذه.

وصرح السيناتور جين دي غوشت الذي ساهم في إعداد هذا القانون قائلًا «تمكننا أخيرًا من التخلص من قيود السن التي كانت مفروضة على عمليات القتل الرحيم الذي يساهم في إنهاء سنوات طويلة من الألم والمعاناة للأطفال الميؤوس من شفائهم».

وكانت بلجيكا قد شرعت عام 2002 قانون القتل الرحيم، وفيما بعد تم تعديل القانون ليسمح بالموت للقصّر الذين يعانون من حالات مرضية لا أمل من الشفاء منها. وبلجيكا هي الدولة الوحيدة في العالم التي تسمح بالقتل الرحيم للأطفال من كل الأعمار، بعد هولندا التي أباحت هذا الإجراء للأطفال الذين يبلغون 12 عامًا على الأقل.

ما هو حكم الدين الإسلامي في عمليات القتل الرحيم؟

جاء السؤال كالتالي: «ما هو حكم الدين في عمليات القتل الرحيم، أي أن يطلب المريض من الطبيب إنهاء حياته بسبب شدة ألمه أو إعاقته، أو يقرر الطبيب من تلقاء نفسه أنه من الأفضل لهذا المريض أن يموت على أن يعيش معاقًا أو متألمًا»؟

وكانت إجابة الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، «القتل الرحيم بنوعيه المشار إليهما في السؤال هو في الحقيقة انتحار أو قتل للنفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وهو حرام شرعًا، بل من أكبر الكبائر؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن رجلًا ممن كان قبلكم خرجت به قرحة، فلما آذته انتزع سهمًا من كنانته فنكأها، فلم يرقأ الدم حتى مات. قال ربكم: قد حرمت عليه الجنة) رواه البخاري ومسلم».

وأضاف جمعة: المريض الذي يطلب من الطبيب إنهاء حياته بطريقة أو بأخرى فإنه يعد منتحرًا؛ فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سُمًا فقتل نفسه فسُمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) رواه البخاري، وقال: (إن رجلًا ممن كان قبلكم خرجت به قرحة، فلما آذته انتزع سهمًا من كنانته فنكأها، فلم يرقأ الدم حتى مات. قال ربكم: قد حرمت عليه الجنة) رواه البخاري ومسلم.

وأكمل الدكتور علي جمعة، أما إنهاء الطبيب حياة المريض لمصلحة يراها من تلقاء نفسه، فإنه والعياذ بالله تعالى قتل للنفس بغير حق؛ قال ربنا تبارك وتعالى: «ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيما».

وعليه وفي واقعة السؤال: فإن القتل الرحيم بشقيه المنوه عنهما في السؤال لا يجوز شرعًا، وهو من الكبائر؛ كما جاء في جملة أحاديث عن سيدنا محمد رسول الله، وعلى الأطباء أن يعلموا أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فمهما طلب المريض مثل هذا المطلب فلا يجوز أن يستجيبوا له، أو يقتلوا النفس بغير حق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد