يعتبر القتل الرحيم من الممارسات المختلف في أمرها، خاصة في عصرنا هذا، فبعد انتشار هذه الظاهرة بقوة عمد غالبية المفكرين والعلماء إلى اتخاذ قرار جازم بتقنين هذه الممارسة من عدمها.

وبداية نود أن نعرف بهذه الممارسة حتى يتسنى لنا بعد ذلك أن نميز محاسنها ومساوئها وأخيرًا إعادة تصنيفها وتحليلها لكي نغوص في جوهرها للكشف عن حقيقتها.

يقصد بالقتل الرحيم، الموت طواعية هروبا من الأمراض وخاصة المستعصية منها والمزمنة والتي يتمنى المصابون بها الموت حقا، لذلك تعمد بعض الدول في أيامنا هذه على تقنين هذه الممارسة لكي تصبح فعلًا عاديًا يتماشى مع القوانين المدنية بالرغم من أنه في حقيقته قتل وإزهاق لروح بشرية.

المؤيدون لهذه الممارسة يرون بأن القتل قد يكون رحيما في بعض الأحيان إذا أصبحت حياة الأشخاص مريرة تنخرها الأمراض والأوبئة لذلك يعمدون إلى القتل الرحيم قصد جعل المريض يتخلص من آلامه، ونلاحظ كثيرًا بأن هناك بعض الناس شافاهم الله يريدون الموت حقًا، فيطلبون من الله أن يقبض أرواحهم، لكي يريحهم من أعباء المرض. في هذه الحالة وفقط، نجد نسبيًا أن هناك توافقًا وانسجامًا وتوأمة في الأفكار، فأولئك الذين يعانون من السرطان في آخر مراحله، يجدون أنه من الأفضل لهم أن يضعوا حدًا لحياتهم عوضًا عن العذاب والألم الذي يلاقونه جراء بقائهم في المستشفى.

بينما يرى المعارضون لهذا الفعل بأنه شنيع أقرب منه إلى القتل، فيرى بعضهم أن من يقبل القتل الرحيم طواعية فبذلك يعتبر «منتحرًا» بينما في الطرف الآخر، من يكفل شخصًا للقيام بذلك، فهذا الأخير يجب أن يعتبر في نظر القانون «قاتلًا» وجب سجنه أو حتى إعدامه، ومن أشهر حالات القتل الرحيم، قضية الطبيب الأمريكي «جاك كيفوركيان» الذي حكم عليه بالسجن لمدة ثماني سنوات لأنه ساعد قرابة 130 شخصًا على قتل أنفسهم تحت مسمى «القتل الرحيم».

ويعيد المعارضون سبب هذا الفعل إلى الحالة النفسية البائسة التي تدفع أحدهم إلى الموافقة على قتل نفسه وهي نفس الأسباب التي تدعو إلى الانتحار في أيامنا هذه، بغض النظر عن الطريقة، فرغم تغير المسميات يبقى القتل الرحيم «انتحارًا» أو «قتلًا» في جوهره. فأحدث الإحصائيات تثبت أن القتل الرحيم يفتك بحياة 21 ألفًا من الناس كل سنة، وهذا ما يجعله متهمًا في هذه القضية، لذلك فغالبية المفكرين والفلاسفة يرون بأن هذه الممارسة الشنيعة ستتسبب في قتل الكثيرين في يوم من الأيام.

موقف الديانات السماوية من القتل الرحيم.

في الإسلام، لا وجود لما يسمى بالقتل الرحيم، فالقتل والانتحار هي ممارسات شنيعة نهانا الإسلام والرسول الكريم عنها في كثير من المواضيع نذكر منها:

«وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».

«وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا»

بينما في الديانة المسيحية، فهناك توافق كبير مع نفس موقف الإسلام، فالمسيحية ترى بأن الله قد أهدى إلينا حياتنا، ويجب علينا أن نعيشها كما هي، ولا نملك أدنى حق في إزهاق أرواحنا… وأدل على ذلك من سفر الجامعة 8:8 الذي يقول: «ليس لإنسان سلطان على الروح ليمسك الروح ولا سلطان على يوم الموت».

ويخبرنا القديس أوغسطينوس: «لا يحل أبدا أن يقتل إنسان آخر حتى وإن أراد ذلك، حتى وإن طلب ذلك لأنه معلق بين الحياة والموت ويتوسل أن يُساعَد في إعتاق نفسه المجاهدة ضد قيود الجسد ويرغب في التخلّص منها، لا يحل ذلك حتى وإن لم يعد المريض قادرًا على العيش».

بينما في الديانة اليهودية، فهناك تطارد وتعارض للأفكار، فمنهم من يقول بأنها قد تكون مفيدة في بعض الأحيان ومنهم من يعارضها وبشدة لأنها تنافي السنة الخلقية والطبيعة البشرية، ويعتمدون في ذلك على قصة الملك «سول» الذي أصيب بحروح كبيرة لم تكن كافية لقتله، فطلب ممن يحمل سلاحًا من حاشيته أن يقتله فرفض، فما كان منه الا أن يسقط طريح الأرض على سيفه وقتل نفسه لكي يخلص نفسه من الآلام التي كان يشعر بها.

موقفي الشخصي من «القتل الرحيم»

لا أملك إلا رفض هذه الممارسة الشنيعة التي تدفع بشبابنا اليوم إلى وضع حد لحياتهم، فأنا أرى أن القتل الرحيم جريمة يجب على القانون أن يمنعها وأن يجرم مرتكبها.

نحن نعلم ما يعانيه إخواننا المرضى شفانا الله وإياهم، لكن الحل لا يكمن في القتل الرحيم، بل يجب علينا أن نتعلم كيف نجابه مشاكلنا ونتحداها بكل عزيمة إصرار، وليس أن نستسلم في بداية الطريق.

القانون الذي يسمح بالقتل الرحيم في أي دولة كانت هو بالنسبة لي قانون لا يخدم المواطنين، فالحكومات التي تهتم بتطبيق قوانينها حتى ولو كان مردودها على الحالة الاجتماعية سيكون ضعيفًا وستضر بالمواطنين، هي بالنسبة لي دولة مستبدة، فهي لا تهتم بأن تزهق روحك ما دمت تطبق القانون بحذافيره. دعونا لا نجعل الانتحار فكرة قانونية يحب تطبيقها، لأنه في تلك اللحظة التي يصادق أحدهم وثيقة تسمح لمن حوله بقتله أو قتل نفسه، سينتهي التاريخ ـ وستصبح مرحلة ما بعد الحداثة فترة غم وغلبة على الناس وهو عكس ما وجدت من أجله.

نحن نعلم أن القانون يمتلك من الرفعة الشيء الكبير وخاصة في دول العالم الأول، لكن الروح البشرية والحياة التي وهبنا الله إياها أسمى من القانون وأعلى شرفًا ومكانة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد