نتساءل دومًا عن الحكمة من الخلق وغايته، ونشعر بالعجز أن نتلمس ولو بصيص أمل في إجابة تريحنا من تعب هذا السؤال الوجودي؟ كذلك ودون تردد نبحث عن تجليات حضور الله في ما يحدث في الكون. وأين الله مما يواجه خلقه من أزمات مستعصية؟

في الحديث عن مشروعه الفكري يقول المفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد: «وأنا أنطلق من التساؤلات عام 1975، والتي تكاد تكون محرجة للغاية ولكنها كانت مدخلاً، كنت في بيروت أرى قصف الطائرات لمخيّمات فلسطين واحتراق الأطفال. وقتها كنت أتساءل عن رحمة الله سبحانه وتعالى، وعن أساسيات التجربة البشرية في الوجود المعرّضة للنكبات والفيضانات والسيول والظلم الاجتماعي. عدم التوافق مع الطبيعة كأنّها ثائرة ضدّ الإنسان والإنسان ثائر ضدّ نفسه، فأين الوجود الحقيقي لله في إدارته للكون بهذه المواصفات؟! وذلك مع التزامي الإيماني».

من خلال رؤية المفكر السوداني محمد أبو القاسم، والمتجلية في طبيعة الأسئلة التي شغلت تفكيره لمدة طويلة، يتراءى لنا حجم الإشكال المطروح لفهم كيف تتدخل إرادة الله ورحمته في إدارته للكون وتجليات ذلك. فالبحث عن مظاهر هذا التجلي ربما يدفعنا للتفسيرات التنبئية وليس اليقينية بهذا الأمر متجاوزًا لعقل الإنسان وكذلك لحواسه في تلمس المظاهر. فالإيمان بقدر لله وقضائه المقرون بحكمته، هو ما يدفع بنا لتلمس مظاهر رحمة تدخله ووجوده المتجاوز لنا لكنه فاعل ومدبر لأحوالنا. رغم اليقين المصاحب لما ذكرنا، يبقى الإنسان حبيس الشك والسؤال مما يجري في العالم وتجلي وجود الله فيه.

ولمناقشة ما طرحناه، ندرج بعض الأمثلة والمواقف التي تساعدنا على الفهم أكثر:

هو في السماء إله وفي الأرض إله

عدد القرآن الكريم، الكثير من الآيات التي تقدم الخير على الشر، والصالح على الفاسد، وأن الله هو نور السموات والأرض. فكيف وهو النور يرتضي الشر لخلقه؟

يقول الله تعالى:

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[سورة يونس : 58]

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾

[سورة الزخرف : 84]

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾

[سورة ق : 16]

إن التسليم بالخيرية الإلهية لخلقه والحكمة في أمره ومقتضاه، يجيز لنا التساؤل:

عن أين هي تجليات هذه الحكمة والرحمة؟ أم أن الله أقر للطبيعة مسلك مدارها وحركتها بقوانين؟

التوازن في الطبيعة وظاهرة الصراع

البقاء للأصلح هو مفهوم داروين في تفسيره للتناقضات والتطور الذي يحدث في الطبيعة، وهذا من وجهة نظر أخرى باعث على إحداث التوازن في نظامها، وتكاثر المخلوقات المتعددة والمتنوعة في وظائفها ونظام عيشها. وبهذا، تستمر العملية في التكرار ويستمر التوازن في الطبيعة ويأخذ صيرورة ذاتية. نأخذ من مبدأ داروين في التطور مآلات هذه السلسة من الترابط بين المخلوقات رغم الاختلاف بينها في نوعيتها، لنصل في الأخير إلى الغاية الكبرى، هي إحداث التوازن والتكامل في النظام الحياتي كله ولو سلمنا بقساوة الظاهر من عملية الصراع. فكيف ندرك أن باطن الصراع هو خير أريد بالإنسان؟ وهو تجلي قدرة الله على الحفاظ على حركية وسكون الكون؟

يهلك الصالح إن كثر الخبث

في حديث مثير للرسول صله الله عليه وسلم ورد فيه ما يلي:

«أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يقولُ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليومَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ، ومأْجُوجَ مِثْلُ هذا، وحَلَّقَ بإصْبَعِهِ، وبِالَّتي تَلِيهَا فَقَالَتْ زَيْنَبُ فَقُلتُ يا رَسولَ اللَّهِ أنَهْلِكُ وفينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا كَثُرَ الخَبَثُّ». صحيح البخاري

نستخلص من هذا الحديث ما يلي:

أن الهلاك لا يميز بين الصالح والطالح إذا عم الفساد، ومقتضى ذلك أن التميز في الجزاء ليس حينما ينتفي شرط كثرة الخبث، عندها يحفظ للصالح أجره ويستثنى من الهلاك.

أن استمرارية الحياة وحفظها، تقتضي القضاء الكلي والنهائي على ما يبعث الشك في ما قد يهدد هذه الاستمرارية.

أن ظاهر الأمر يبدي لنا ظلمًا في الجمع بين الصالح والطالح في جزاء الهلاك، لكن الحالة غير ذلك فمصلحة الصالحين يحفظها الله ويبقيها ليوم الميزان.

الفكرة الأساسية التي يرويها لنا الحديث، هي أن كوارث العالم إنما هي عقاب من الله. والحقيقة أن التفسير الديني والغيبي للمآسي التي تصيب الإنسان، إنما هو مدعاة للهروب من الحقيقة الكلية، أن الطبيعة غاضبة من تصرفات الإنسان وعبثه وهو تفسير يبعث على فهم الموضوع وفق صيرورة الكون الذاتية. فالله سيحفظ خلقه بحكمته، ولذلك كان الشرط في الهلاك كثرة الخبث، وهو من حيث ذلك مرادف للفساد والظلمات.

الإنسان والأسطورة

كان البشر دوما صناع أسطورة، فالمخاوف من كوارث الطبيعة، والمصير المجهول الذي كان يعايش الإنسان، ومن الموت، جعل الإنسان عبر عصور وحتى مرحلة ظهور الحضارات الأولى، يحتمي بالقوى الخفية ويقدم لها القرابين. الأسطورة هي الحضور الروحي والغيبي الذي يبعث على الأمن في نفس البشر. كان الله وبصور مختلفة حاضرًا في ذهن ومخيلة الإنسان قديمًا. فالأسطورة صممت لمساعدة البشر على مواجهة المآزق المستعصية.

إن حاجة الإنسان إلى الله توضح ضعفه وافتقاره له في وجهين: الأول، هو المساعدة في الاستمرارية والعيش في أمان والحفاظ على النسل ومجابهة الصعاب. والوجه الثاني، هو حاجته لمعايشة بعده الروحي وتقديم تفسير غيبي لوجوده بعالم غير مرئي وأزلي تنتهي إليه كل المخلوقات بعد فنائها.

فالرابطة بين الإنسان والله قديمة. بل لا يمكن تفسيرها في غير موضعها الفطري الذي جعل من البشر يبحثون عن خلاصهم ومواجهة حقيقة فنائهم بالبحث عن الإله.

إذا كان الله موجود بصورة أو بأخرى يعجز الإنسان عن حصرها في مخليته وهو بحاجة لقرب منه ومساندته. فكيف يتجلى الوجود الإلهي في الكون؟

كيف نفهم العلاقة: الله – الإنسان – الطبيعة؟

الله موجود وهو أقرب إليك من حبل وريد. يحيلنا مفهوم هذه العبارة، إلى تفسير العلاقة التي تربط الله والإنسان والطبيعة، حيث الباعث فيها هو أن الله قريب ومطلع على الأحوال لكنه مفارق من حيث وجوده. فالتوحيد هو رؤية تفسيرية لهذه العلاقة التي يتجاوزها الله لكنه قريب وموجود.

فعلاقة الله- الإنسان – الطبيعة، لا يمكن فهما إلا في الرؤية التوحيدية التي جاءت بها الكتب السماوية، وفسرت حضور الله في الكون وتجازوه له.

فيكيف ندرك هذا الحضور ونشاهد تجلياته؟ سؤال يجيب عنه كل إنسان بمنتهى البساطة، فالله لطيف ورحيم، لكننا لا ننتظر حضوره وتجليه بالمشاهد الخارقة العاطفية، والتي هي ملجأ كل محتاج تنقصه رؤية الخوارق من حيث هي ليست كما تعرف في زمنها وتفسر. فالله يدبر الأمر وفق ميزان وسنن، لا يمكننا إدراكه، وإلى حد ما، يتملكنا الشك في التسليم بها. حكمة الله ممتدة ومتشابكة، وهي حاضرة في الأضداد من المشاهد، ونضرب مثلًا للتوضيح. فالظاهر والباطن، يعبران عن حالتين مختلفتين في التشكل والعرض، كأن نسأل أين رحمة الله من حدوث كارثة طبيعية يصاب فيها الناس بالألم والخوف والموت. لكننا نستحضر هنا رحمة الباطن والمراد بها، لقراءة ما وراء الحادث الخبري، لبلوغ التبصر المعرفي.

فهل نشهد من كارثة طبيعية تبصرًا معرفيًا لحكمة الله من وراء ذلك؟

نجد آلاف المشاهد اليومية المؤلمة، تجبرنا عن السؤال ولو بحذر، أين هي رحمة الله وعدله؟ لكننا نسلم وبغير برهان أنه رءوف رحيم. ولحكمة ما غير مدركين لها، جعل الله سير الحياة والتاريخ والطبيعة بهذه الصورة الواقعية المؤلمة.

فالله موجود وقريب وله الأمر في إدارة الكون بأدق تفاصيله، وهو متجاوز لنا ولسعة إدراك عقولنا، وتجليات حضوره تعرف بالتبصر المعرفي والحكمة، وليس علينا إلا أن نقول : سبحانه وتعالى وسعت رحمته كل شيء، فهو الظاهر والباطن وهو أقرب إليك من حبل وريد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد