من دعاء كميل ابن زياد والذي علمه إياه الامام علي بن ابي طالب عليه السلام

جسمك القوي وعنفوان شبابك ولون بشرتك المميز وجمال وجهك الأخاذ وعذب صوتك وألقابك الطويلة والعريضة وعقلك الجبار وأبناؤك وبناتك وعشيرتك وأموالك، كل ذلك سينحسر عنك لتبقى في مواجهة مصيرك وحدك، في لحظة من لحظات الشعور بالوحدة، حيث يفقد الإنسان القدرة على الرد ويسلم نفسه إجبارًا لا طوعًا إلى ملك الموت لينتقل إلى العالم المجهول والذي كان طيلة حياته يزرع فيه بذور أعماله، ليحصد في آخر المشوار ما جنته يداه.

«وَقَدْ خَفَقَتْ عِنْدَ رَأسي أجْنِحَةُ الْمَوْتِ، فَمالي لا أبْكي، أبْكي لِخُروجِ نَفْسي، أبْكي لِظُلْمَةِ قَبْري، أبْكي لِضيقِ لَحَدي، أبْكي لِسُؤالِ مُنْكَرٍ وَنَكيرٍ إيّايَ، أبْكي لِخُرُوجي مِنْ قَبْري عُرْيانًا ذَليلاً حامِلاً ثِقْلي عَلى ظَهْري، أنْظُرُ مَرَّةً عَنْ يَميني وَأخْرى عَنْ شِمالي، إذِ الْخَلائِقُ في شَأنٍ غَيْرِ شَأني (لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ)».

في هذا المقطع من دعاء أبي حمزة الثمالي يبين لنا الإمام زين العابدين عليه السلام صورة الإنسان وهو في لحظات المعاناة، حيث ينتقل من نعيم الدنيا الذي عهده إلى دار وحدة في قبر مظلم ولحد ضيق، فأين الملبس الناعم وأسرة الديباج الفاخرة؟ وأين تلك الغرفة الكبيرة والأبواب العملاقة إذ لا أثر لها في تلك الحفرة المطمورة بالتراب؟ هناك لا يبقى للإنسان سوى البكاء سلاحًا يحاول به أن يخفف من ألمه وخوفه.

وهناك سيجد الإنسان نفسه يستند إلى رأس مالٍ غير الذي كان يستند عليه في الدنيا، فهذا المال ليس ذهبًا أو فضةً وليس علمًا أو منصبًا، ولكنه فقط الإيمان بالله بأنه سيستجيب نداء الراجين، وكيف لنا أن نرجوه ونحن قد أخرجناه في هذه الدنيا من قلوبنا وأعمالنا وغرتنا الدنيا بغرورها وأفسدتنا بشرورها حتى نسينا الله فكيف اليوم لا ينسانا؟

ربنا أم ربكم؟

لعل الشباب اليوم ابتعدوا عن الله وعن دينه بسبب أنهم عرفوا الله على أنه الرب المنتقم والقاسي والذي لا يرحم، فهو الرب الذي يدعو إلى القتل وسفك الدماء وهتك حرمات الناس ممن يخالفوننا بالدين والعقيدة، رب لا يرحم إلا من اتبعه وأما الآخرون فلا نصيب لهم في النجاة، هذا الرب الذي صوره لنا بعض رجال الدين والمتدينون هو بالحقيقة رب مزيف، صنعوه من أجل ربح الدنيا وطرد الناس من رحمة الله، فيلحدون ويكفرون بخالقهم لأنه قد فقد مقومات الربوبية التي نعتقد بها بفطرتنا، فربنا ليس سفاحًا وظالمًا سبحانه بل رؤوف رحيم يغفر الذنوب ويكفر عن السيئات ونعمه تنزل إلى من آمن به وإلى من كفر به (لاَ الَّذي أحْسَنَ اسْتَغْنى عَنْ عَوْنِكَ وَرَحْمَتِكَ، وَلاَ الَّذي أساءَ وَاجْتَرَأَ عَلَيْكَ وَلَمْ يُرْضِكَ خَرَجَ عَنْ قُدْرَتِكَ) بل وإنه تعالى ربنا الرحيم والذي غيبته منابر المسلمين عنا وجعلتنا نظن بأنه غير موجود ولو رجعنا إلى ما علمنا إياه أئمتنا عليهم السلام لوجدناه كما يقول الإمام السجاد عليه السلام بدعائه (تَتَحَبَّبُ إِلَيْنا بِالنِّعَمِ وَنُعارِضُكَ بِالذُّنُوبِ، خَيْرُكَ إِلَيْنا نازِلٌ وَشَرُّنا إِلَيْكَ صاعِدٌ) هذا هو ربنا الذي نؤمن به ونعتقد بوجوده، ومن أجله فإننا سنزيد من رصيد رأس مالنا لنرجوه ونطلب عفوه ومغفرته، وسنشهر سلاحنا المصنوع من الدموع ونحن نبكي بين يديه ندمًا على ما فاتنا من فعل الخير.

(فَرَبّي أحْمَدُ شَيْيء عِنْدي)

هكذا يجب أن نختتم أفعالنا وأعمالنا بتقديم الحمد والشكر لله ربنا الذي نرجو لقاءه ونطلب رحمته ونتوسل عفوه، لا الرب المزيف الذي يعيش في مخيلة الناس ولا أجد أفضل من هذا الحمد الذي يدعو به علي بن الحسين عليهما السلام في أسحار شهر رمضان الخير والبركة (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي أدْعوُهُ فَيُجيبُني وَإنْ كُنْتُ بَطيئًا حينَ يَدْعوُني، وَاَلْحَمْدُ للهِ الَّذي أسْأَلُهُ فَيُعْطيني وَإنْ كُنْتُ بَخيلاً حينَ يَسْتَقْرِضُني، وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي أناديهِ كُلَّما شِئْتُ لِحاجَتي، وَأخْلُو بِهِ حَيْثُ شِئْتُ لِسِرِّي بِغَيْرِ شَفيع فَيَقْضى لي حاجَتي، اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي لا أدْعُو غَيْرَهُ وَلَوْ دَعَوْتُ غَيْرَهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لي دُعائي ، وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي لا اَرْجُو غَيْرَهُ وَ لَوْ رَجَوْتُ غَيْرَهُ لأخْلَفَ رَجائي، وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي وَكَلَني إلَيْهِ فَأكْرَمَني وَلَمْ يَكِلْني إلَى النّاسِ فَيُهينُوني، وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي تَحَبَّبَ إلَىَّ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنّي، وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي يَحْلُمُ عَنّي حَتّى كَأنّي لا ذَنْبَ لي، فَرَبّي أحْمَدُ شَيْيء عِنْدي وَأحَقُّ بِحَمْدي).

والحمد رب العالمين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدعاء
عرض التعليقات
تحميل المزيد