إن المناطق البينية هي أكثر الأماكن القابلة للتجمعات النقاشية حول المفاهيم الإنسانية الفضفاضة، ذات الرؤى المتعددة والإسقاطات المتباينة، ومن ثم فإنه وبالقياس على مفهوم الاستحقاق يُعد النزوح إلى التعقل وحده في سبيل تحقيقه فيه ما فيه من سوء فهم، وغياب بصيرة، وكذا بلوغه تحت وطأة الهيمنة فيه ما فيه من سوء إدارة وجور تنفيذ؛ لذلك فإن التعقل ممارسة فكرية بحاجة إلى ممارسات عدة، كيما يبلغ شأوه، والهيمنة التي هي بالأساس على نهجه الفكري الأوحد تسير معصوبة العينين، مع إضافة لفظة السلطوي إليها بحاجة إلى غربلة وتقويم؛ وذلك بهدف الخروج من هذه البينيات بخلاصات فكرية ذات مصداقية جاذبة للنفس البشرية، وقابلة للطرح والمعالجة على أرض التطبيق.

يقول برتولت بريشت:

في البدء يكون الخبز، ثم تكون الأخلاق.

بالقراءة التأملية لهذه المقولة؛ فإنه علينا ترتيب الاستحقاقيْن الّذين تضمنتهما المقولة ترتيبًا منطقيًّا، ليس فقط للوقوف على كيفية إتيانهما والنتائج المترتبة على حدوثهما فعليًّا، بل لترتيبهما ترتيبًا سرديًّا يُمكننا من إيصال الرؤية المرامة بشكل سليم؛ إذ إنه وفق ما يحمله من رؤية صائبة الطرح والفكر، يمكننا القول بأن الدول التي تطالب مواطينها بإيفاء حقوقهم الأخلاقية تجاهها كمؤسسات، وتجاه حكامها بوصفهم رموزًا تستحق التقديس، ما هي إلا دول اتخذت من الخرافات منهجًا فاسقًا وطريقًا عوجًا.

إن النظرة الميتافيزيقية رغم ثبوتها التأصيلي -لمصطلح الاستحقاق الأخلاقي المطالب ببلوغه هنا- تنهار أمام كل الغطرسة السلطوية التي تنهب الفرد وتنخر كل قيّم مورف بداخله، فليس هناك مجال للتأمل والبحث فيما وراء المصطلح من معنى إنساني جليل؛ إذ إن الغطرسة لا تقف عند حد النهب وفقط، بل تقتل الفرد قتلًا بطيئًا على دجج الحاجة والعوز، حتى وإن أخذنا في الاعتبار قيام بعض البلدان المدعية السير على نهج الديمقراطية بإتاحة ولو نذر يسير لمواطنيها من استحقاقهم المادي لكسب رضا شعبي ظاهري الحدوث؛ كيما تجمل صورتها الخارجية أمام صانعي الديمقراطية ومُصدريها، فبالأساس هي ذاتها عاجزة عن وضع قوانين واضحة وقاطعة من أجل الحفاظ على الاستحقاق الأخلاقي ساريًا في كل أروقتها كدولة، وبلوغ شأوها فيه حامية له وفق دستورها، من خلال سلوكيات مواطنيها العامة.

على سبيل المثال لا الحصر، ففي بلادنا نجد أن سب الحاكم جرم يعاقب عليه القانون – الذي يُسن خصيصًا لأجل حماية هيبة مدَّعاة- بأغلظ العقوبات، كالحبس الذي يصل إلى ثلاث سنوات، وغرامة التي تصل إلى 200 ألف جنيه مصري، وفي الحقيقة هذا أقل بكثير من الواقع الفعلي، فما إن تنامى إلى علم الجهات القضائية بلاغًا، حتى وإن كان عبر وسائل إعلامية ليس لها دور هي الأخرى سوى إصدار أحكام مسبقة وتوعدات وتخوينات سافرة، إلا وأقامت مأدبتها القضائية على قيود مرتكبي جريمة السب الشنعاء، وراحت تشرب بعدها كأس العدالة المغشوشة نبيذه، في حين سب الذات الإلهية – وهي في شرع الله جرم فج وكفر بواح إن لم يتب عنها صاحبها ويتبرأ إلى الله من مقالته- يُتقيأ علينا ليل نهار من رموز يفترض أنها أهل فكر وثقافة ومسؤولية مجتمعية تجاه وطنهم، وأمام هذا التناقض لا يمكننا القول إلا بأنه لا مجال لرأي سديد وأنت في قبضة الطغيان أسير.

الرجال يعرفون بالحق؛ وليس الحق يعرف بالرجال.

طالعت فيديو منذ فترة ليست بالقصيرة عن قاضي أمريكي يدعى فرانك كابريو، أذهلتني طريقته في التعاطي مع القضايا التي يبت فيها بأحكام تستدعيك لفتح عينيك محملقًا، وفغر فمك مدهوشًا وأنت تطالعه وهو يحاور المتهم ويستجوبه، بالإضافة إلى أنه إذا ما قسناها على ما يحدث في محاكمنا؛ سيوصم هذا القاضي بالخرف والخيانة للمهنة؛ إذ إن المتهمين معترفون والدلائل واضحة؛ لكنه لا يحكم بما يقتضيه الاعتراف، بل يحكم اتقاء للإنسانية، ومراعاة لهم ولظروفهم النفسية والحياتية، فإن حكمه بالبراءة من كل شيء الصادر بحق تلك المرأة التي وجب عليها دفع غرامة مستحقة تقدر بـ500 دولار فخففها إلى 50 دولارًا نتيجة ما علمه من معاناتها التي حالت دون الدفع في حينه، سألها بعد ذلك أتملكينهم فأجابته نعم، ثم عاود سؤاله أيتبقى معك غيرها، فأجابت إن دفعتهم لن يتبقى منهم سوى خمسة دولارات، قد يرى ما سلف بعين الرحمة وفقط، بيد أنه مع التأمل الواعي ستدرك أن هذا هو التعقل المشبوب بالفطنة.

أخذ الحق صنعة.

بالمقارنة بين المثالين السابقين في ما بين الهيمنة والتعقل، فإننا بصدد إعادة النظر في مقولة «أخذ الحق صنعة» هي الشائعة بين الناس في رد الحقوق ردًّا فيه من التؤدة ما يجعله ذا رونق، وبلوغ صاحبه بنيله سعادة لا تضاهى، ومع ذلك فعلى رغم تأففي للفظتها المذيلة بها؛ إذ إنها تحتمل من التسطيح نذرًا يسيرًا، فكم طافت بنا صناعات لا تصلح للاستخدام الآدمي اليومي، فكيف بنا نوردها كلفظة للتعبير عنها كوسيلة لبلوغ قيمة سامية وفرض إلهي مكفول للخلائق أجمع، وإن جارت القوانين الوضعية عليه وعجزت عن بلوغه؟!

ومن ثم فيمكننا القول بأن أخذ الحق ثلاثي الوسيلة؛ إذ يتطلب فهمًا وحنكة وحكمة، فهم للحال وحيثياته ومآلاته، وحنكة في القدرة على استبطان الدواخل الخفية لأصحاب هاته الاستحقاقات، وحكمة في التطبيق والتنفيذ، فالهدف الأسمى من بلوغ الحق هو السلام الداخلي للفرد ذاته كعضو فعال ذي وجود حيوي داخل بيئته، ومن ثم فيضان هذا السلام من الداخل وتجليه في الخارج وذيوعه في المحيط الإنساني بأكمله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد