أردوغان يطيح بميركل من فوق عرش ألمانيا ..فهل يتعظ قادة أوروبا؟

مني الائتلاف الحاكم في ألمانيا بهزيمة متوقعة في انتخابات محلية في كل من بافاريا وهيسن في أكتوبر (تشرين الأول) 2018؛ مما يعزز الشكوك حول استكمال الحكومة الحالية، استكمالًا لمسلسل الإخفاق الانتخابي، بعد إخفاق الحزبين المسيحيين الكبيرين المشكلان للحكومة في الانتخابات البرلمانية في 2017، وصعود اليمين المتطرف متمثلًا في حزب البديل من أجل ألمانيا والذي حصل على 13%.

حيث نجح التحالف المسيحي حينها في الحصول على تفوق متواضع ب32% فقط، وبخسارة 10 نقاط كاملة عن انتخابات 2013، فاضطروا للدخول في ائتلاف حاكم مع الحزب الاشتراكي.

يرجع هذا التراجع الحاد إلى صعود اليمين المتطرف في أوروبا على خلفية أزمة اللاجئين الكبيرة والتي ضربت القارة في أوائل عام 2015، حيث يقدر عدد اللاجئين القادمين لأوروبا بأكثر من 3 ملايين لاجئ أغلبهم من سوريا، وقدم معظمهم من الأراضي التركية إلى اليونان وإيطاليا.

ومع موجه النزوح الكبيرة، نشطت الأحزاب اليمينية الشعبوية المتطرفة في ألمانيا والنمسا وهولندا، المطالبة بطرد اللاجئين من قلب أوروبا.

ولكن لماذا غضت تركيا الطرف عن هجرة هذا العدد الكبير، قبل أن توقع مع أوروبا اتفاقية أمنية لوقف موجات الهجرة للسوريين من تركيا لأوروبا.

بداية الأزمة

تعود الحكاية إلى موجات الربيع العربي، حيث وقف أردوغان إلى جانب إرادة الشعوب ودعم الثورات وخصوصًا الثورة السورية، ومع الانقلاب العسكري في مصر، صعد أردوغان من هجومه على قادة الانقلاب وحلفائهم في الغرب، وكان ذلك بداية الصدام مع الغرب، حيث أصبح وجود أردوغان خطرًا على مصالح الغرب، فقام الغرب بدعم الأكراد الإنفصاليين في شمال سوريا لعمل شريط كردي فاصل بين تركيا وسوريا تمهيدًا لفصل تركيا عن أي امتداد إسلامي في الجنوب، كما قامت ألمانيا باستضافة الأحزاب الانفصالية الكردية والتي تطالب بحكم ذاتي في جنوب وشرق تركيا وقامت بتقنين وضعهم.

في حين أن معضلة الأكراد هي نقطة ضعف تركيا، فإن موجات اللاجئين والهجرة غير الشرعية هي نقطة ضعف أوروبا، حيث عانت أوروبا من موجات النزوح في تسعينات القرن الماضي، إبان حرب البوسنة 1992 والتي أدت إلى نزوح أكثر من 2 مليون بوسني، وطالب أكثر من 400 ألف باللجوء إلى دول ألمانيا وحدها، كما تعاني أوروبا من الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط والتي تتثير مخاوف اليمين المتطرف من تغيير التركيبة المسيحية للقارة وانتشار الثقافة الإسلامية تدريجيًّا في أوروبا.

الرد التركي

وكان الرد التركي قويًّا على التحركات الألمانية الداعمة للانفصالين الأكراد، حيث قامت الحكومة التركية بالتغاضي عن عملية مراقبة الحدود التركية اليونانية في بحر إيجة أوائل 2015، مما أدى إلى نزوح مئات الآلاف من النازحين السوريون إلى الجزر اليونانية، ومنها إلى صربيا فالمجر فالنمسا، وكان أغلب المهاجرين يهدفون للوصول لألمانيا أقوى دول القارة اقتصاديًّا، وأكثرها قبولًا للاجئين في عام 2014.

قامت تلك الموجات من اللاجئين بعمل إرباك شديد في الأوساط الأوروبية ودب الخلاف بينهم، حيث رأى البعض توزيع اللاجئين بين دول القارة بالتساوي، في مقابل بعض القادة الأوروبين الذين يريدون إرجاع اللاجئين إلى الدول التي قامت بتسجيلهم مثل إيطاليا واليونان تنفيذًا لاتفاقية دبلن للاجئين، لكن تلك الدول تمر بأزمات اقتصادية كبرى.

بالمقابل في ألمانيا كانت ميركل تـصر على سياسة الباب المفتوح والذي يقضي باستقبال لاجئين تم تسجيلهم في بلدان أخرى، في مقابل رأي زعيم الحزب المشارك في الائتلاف الحكومي المطالب بعدم استقبال لاجئين خوفًا على التركيبة الديموغرافية والتأثير على الاقتصاد الألماني، حيث بلغ عدد اللاجئين الفاريين لأوروبا في 2014 و2015 أكثر من 3 ملايين لاجئ.

الإتفاق التركي الأوروبي

تفاقم أزمة الهجرة أدى إلى هرولة أوروبا لتوقيع اتفاق مع تركيا لوقف نزوح اللاجئين إلى أوروبا في مقابل دعم مادي وإعفاء الأتراك من تأشيرة دخول الاتحاد الأوروبي، لوقف أسوأ موجة نزوح في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى اتفاق غير معلن بالتوقف عن دعم الأكراد. أدت تلك الاتفاقية للحد من موجات النزوح الكبيرة داخل أوروبا، إلا أن المشكلة ما زالت قائمة بسبب تصاعد موجة اليمين المتطرف الهادف إلى طرد اللاجئين من دول القارة وإعادتهم إلى بلادهم الأصلية مرة أخرى، الأمر الذي انعكس على نتائج حزب ميركل سواء في الانتخابات الاتحادية الألمانية في 2017 أو في الانتخابات المحلية في أكتوبر 2018، حيث خسرت الأحزاب الثلاثة المشاركة في الائتلاف الحكومي نسبة كبيرة من الأصوات لصالح حزبي الخضر وحزب البديل المعادي للمهاجرين.

أردوغان يهدد أوروبا مرة أخري

ولكن أردوغان أعاد تهديد أوروبا مرة أخرى بضربهم بموجات من اللاجئين مرة أخرى في أواخر 2016، ردًا على انتقادهم لقيام أردوغان بعملية تطهير واسعة في مفاصل الدولة التركية وقام بعزل الآلاف من المنتمين لجماعة فتح الله جولن، بعد فشل الانقلاب العسكري في تركيا، حيث لاقت تلك التحركات إدانة شديدة من البرلمان الأوروبي، وكان رد أردوغان هو التلويح بفتح الحدود مرة أخرى أمام اللاجئين السوريين للوصول إلى أوروبا، الأمر الذي أربك الوضع الداخلي في أوروبا.

حتى مع محاولة الروس اقتحام إدلب وضمها للأراضي التابعة للنظام السوري، ضغط أردوغان على أوروبا بأنه لن يستطيع استقبال اللاجئين الفارين من الحرب المرتقبة في إدلب، حيث يبلغ عدد المدنيين هناك أكثر من 3 ملايين، حيث أبلغت تركيا أوروبا أنها ستضطر لفتح حدود تركيا مع أوروبا في حال تدفق اللاجئين من إدلب لتركيا؛ مما دفع قادة أوروبا للضغط على روسيا لوقف حرب إدلب خوفًا من موجه نزوح ثانية.

ومما سبق، فإن ورقة اللاجئين السورية شكلت عنصرًا حاسمًا في إعادة تشكيل الوضع السياسي في أكبر دول القارة الأوروبية، وسمحت ببروز اليمين المتطرف الذي أدى إلى خسارة ميركل في انتخابات 2017 واضطرارها لتشكيل تحالف مع الحزب الاشتراكي بعد 5 شهور من المفاوضات، وبالرغم من نجاح الائتلاف الحاكم في ألمانيا من تجاوز أزمة تشكيل الحكومة في 2017، إلا أن الثلاثة أحزاب المشاركين في الائتلاف الحاكم، قد منيوا بخسائر فادحة في الانتخابات المحلية في بافاريا وهيسن اكتوبر 2018، في حين صعدت الأحزاب المعارضة مثل حزب الخضر الذي يقوده شخص من أصول تركية ومعاد لسياسة أردوغان، والحزب الآخر هو الأكثر عداء للمهاجرين، الأمر الذي يعكس تنامي العداء لسياسات حكومة ميركل تجاه أزمة اللاجئين.

خلاصة القول

نستطيع القول بأن إدارة أردوغان أجادت اللعب بورقة اللاجئين، بعد فهم للوضع السياسي والاقتصادي والمزاج العام للشعوب الأوروبية المتخوفة من النزوح الإسلامي، خصوصًا بعد تكوين صورة ذهنية سلبية للمسلمين بعد تكرر هجمات (داعش) في أوروبا، وبعد ما شاهده الملايين من مشاهد مروعة لتنظيم داعش في العراق وسوريا، الأمر الذي دفع كتلة كبيرة من الناخبين الأوروبين لمساندة الأحزاب العنصرية المتخوفة من تنامي الوجود الإسلامي في الغرب.

مما وضع الأحزاب الحاكمة في أوروبا أمام خيارين، أما أن تستمر علي نفس النهج في استقبال المزيد من اللاجئين، وبالتالي خسارة المزيد من أصوات الناخبين، وإما تشديد إجراءات الهجرة والبدء بمنع المهاجرين من الدخول لأوروبا، وهو ما يضع الأحزاب الأوروبية الحاكمة في موقف إنساني محرج، أمام شعوبهم ويقوض الصورة النمطية عن احترام حقوق الإنسان ومساعدة الشعوب المنكوبة، فضلًا عن تعقد الوضع الداخلي للقارة.

ميركل تحاول إيقاف صعود اليمين

حيث تصر ميركل على ضرورة الوصول لاتفاقات ثنائية مع دول الوصول مثل اليونان وإيطاليا كما حدث مع تركيا، لأن عدم وجود اتفاق بين دول القارة يصعد الخلافات بينهم، خصوصًا أن تلك الدول تعاني من أزمات مالية حادة وتتلقى الدعم من الدول الغنية في الاتحاد الأوروبي، كما أن تكدس المهاجرين في أراضيها يساعد علي لظهور اليمين المتطرف ويدفعه للوصول لمقاعد الحكم في أوروبا لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية ، وهو ما تخشاه برلين، حيث صعد للسلطة حكومة يمينة في إيطاليا فير منتصف 2018، والتي رفضت استقبال سفينة مهاجرين، واضطرت إسبانيا لاستقبالها، الأمر الذي كشف عن تأثير صعود اليمين المتطرف في أوروبا علي تناسقق الموقف اللأوروبي ويدفع للمزيد من الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي.

أردوغان يطيح بميركل

استفادت تركيا من دراسة تاريخ نقاط ضعف الخصوم السياسية، الأمر الذي مكنها من إخضاع العملاق الألماني ومنعه من التدخل في الشأن التركي الداخلي، وأدى أخيرًا إلى خفوت نجم المستشارة الألمانية ميركل بعد تصاعد الخلافات بينها وبين حلفائها وتحول الشارع الألماني عن أفكارها ولجوئهم لأحزاب شعبوية تدريجيًّا وهو ما دفعها إلى المبادرة بتقديم استقالتها من رئاسة الحزب وإعلانها أن تلك الولاية هي الأخيرة لها في منصب المستشارة، بعد أن فشلت في المواءمة بين سياستها الداخلية والخارجية، وهو ما كان يهدف إليه أردوغان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد