غادر عدد من اللاجئين السوريين في ألمانيا في الأيام القليلة الماضية ألمانيا متوجهين إلى تركيا، فيما يمكن أن نطلق عليه بالهجرة المعاكسة، فالهجرة التي سادت خلال الخمس السنوات الماضية كانت لسوريين فروا من الحرب السورية إلى تركيا، فلم يجدوا ضالتهم في تركيا فتوجهوا منها إلى أوروبا، التي فيها مقوّمات الحياة الأساسية غير المتوفرة لهم في كلٍّ من سوريا وتركيا.

ينظر أحدنا إلى خبر عودة لاجئين سوريين من ألمانيا إلى تركيا بشيء من البساطة والسرعة، أو ربما يتفّحصه قليلًا ويبدي استغرابه وتعجبهُ، ولكنه غالبًا لا يبحث فيما وراءه، وفيما يترتب عليه، وهنا مربط الخيل، حيث إن اللاجئين السوريين الموجودين في تركيا كانوا خلال عامي 2016 و2017 أعظم ورقة يُهدد بها أردوغان دول الاتحاد الأوروبي عمومًا وألمانيا خصوصًا، حيث صرّح في مراتٍ عدة بأنه سيفتح الحدود أمام اللاجئين ليهاجروا إلى أوروبا، التصريحات التي أدت بدول الاتحاد الأوروبي إلى أن تُرضيه بأي طريقةٍ شاء.

أما الآن فالسحر انقلب على الساحر، وما كان يستخدمه أردوغان من ورقة اللاجئين قد يُستخدم اليوم ضده، وذلك لم يحدث على سبيل الصدفة، وإنما بشكل مخطط له، حيث إن من عاد من اللاجئين إلى تركيا كان قد أَرجع سبب عودته إلى إجراءات ألمانيا التي تصعّب على اللاجئ أن يستقدم أهله إلى ألمانيا، ويقول ممثل مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين في ألمانيا في ذلك: إن ألمانيا لا تولي الأهمية اللازمة لمبدأ الحفاظ على الأسرة.

وصعوبة أو استحالة لم الشمل يعتبر خطوة هامة خطتها ألمانيا في سبيل إرجاع اللاجئين السوريين – الذين يشكلون نسبة كبيرة من اللاجئين في ألمانيا – إلى حيث أتوا، أي إلى تركيا، ومما يؤكد أن لهذه الخطوة وقعُها، هو أن اللاجئ الذي ذهب إلى ألمانيا لم يذهب بعقد عمل أو لمنحة دراسية – غالبًا – وبالتالي يعود إلى بلاده حال انتهائه مما ذهب من أجله، وإنما ذهب ليستقر بعيدًا عن الحرب وليقيم مع أسرته في الدولة التي قصدها، فإذا أدخلته هذه الدولة أرضها، ولكن منعت عنه أي سبيل للاجتماع بأهله فسيؤدي تضييقها عليه بذلك في نهاية المطاف إلى مغادرته تلك الدولة، وقد أكدت ذلك الأرقام، حيث قال أحد مهربي اللاجئين إلى تركيا بأنه يعيد إلى تركيا ما يقارب 50 لاجئًا سوريًا يوميًا، في حين قال مهرب آخر إنه يعيد إلى تركيا لاجئين أكثر من اللاجئين الذين يأخذهم من تركيا إلى أوروبا.

وبذلك يمكن أن نقول أن إلمانيا عبر إجراءات وقرارات معينة تخص اللاجئين انتقلت من صف المُهدَّدين بأن تُفتح الحدود أمام اللاجئين ليقدموا إليها إلى صف الذين يمكنهم أن يهددوا بفتح الحدود أمام اللاجئين ليعودوا إلى تركيا، أو على أقل تقدير إن لم تستطع التهديد بذلك فإنها استطاعت أن تمزق ورقة أردوغان التي استخدمها ضدها طوال العامين الماضيين، والتي جعلتها والاتحاد الأوروبي يرضخان إلى مطالبه، فهل من ورقة جديدةٍ يعثر عليها أردوغان بذكائه الذي لطالما عودنا عليه، والذي اعترف به خصومه وأعدائه قبل أصدقائه وحلفائه، والذي جعل منه حليفًا لأمريكا وأوروبا تارةً، ولروسيا وإيران تارةً أخرى، بحيث أنه حتى عندما يعادي دولةً ما فإنه يتركُ خطًَّا للرجعة، وهذا دليلٌ على حنكته وذكائه السياسي والذي عَلا بدولته إلى ما وصلت إليه الآن أم أن الأوراق قد نفذت لديه، وهذا ما لا أتوقعه، وهذا ما لم يحدث طوال سنواتٍ مضت من فترة حكمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد