اليوم هو الأول في سنة جديدة، تشرُق علينا الشمس وسط أمنيات بعام سعيد، ومحاولات تنبؤ بما سيحدث في هذا العام، هكذا هو الإنسان؛ دائم الشوق لمعرفة ما سيحدث في الـمُستقبل، شغوف بالتنبؤ والتوقع.

حسنًا، فلنساير التيار، فلنحاول التنبؤ بما سيحدث، لكننا سنتبع القاعدة التي تقول:

“إذا أردت أن تفهم ما يحدث فانظر إِلى الماضي، وإذا أردت أن تعلم ما سيحدث، فاقرأ التاريخ”.

نعود سويًا إِلى عام 1954، حين قرر محمد نجيب – رئيس مصر آن ذاك– أن يستقيل من منصبه عقب موافقة الشعب على الدستور، وأن تُجرى انتخابات نزيهة لا يُشارك فيها أي أحد يحمل صفة عسكرية، ادعى نجيب أن ضباط القيادة أرادوا أن يملكوا مثل ملك ويحكموا مثل رئيس حكومة.

كتب في مذكراته “لقد خرج الجيش من الثكنات، وانتشر في كل المصالح والوزارات المدنية، فوقعت الكارثة التي ما نزال نعاني منها إلى الآن في مصر، كان كل ضابط من ضباط القيادة يريد أن يكون قويًّا، فأصبح لكل منهم «شلة» وكانت هذه الشلة غالبًا من المنافقين الذين لم يلعبوا دورًا لا في التحضير للثورة ولا في القيام بها”ز

أيضًا قال نجيب إنه رصد بعض السلوكيات الخاطئة التي يرتكبها بعض الضباط في حق الثورة وفي حق الشعب الذي وثق بهم؛ فأول ما فعله ضباط القيادة أنهم غيروا سياراتهم، وترك أحدهم شقته المتواضعة واستولى على قصر من قصور الأمراء كي يكون قريبًا من إحدى الأميرات، وترك ضابط آخر من ضباط القيادة الحبل على الغارب لزوجته التي كانت تعرف كل ما يدور في مجلس القيادة وتستغل هذا لصالحها ولصالحه، وطارد آخر ناهد رشد زوجة الطبيب بحري يوسف رشاد, طبيب الملك فاروق الخاص.

تلك التصرفات التي صدمت بعض الضباط الأحرار الذين يتصفون بالمثالية فحمل بعضهم هذه الفضائح وواجهوا بها ضباط القيادة، لكنهم سمعوهم وقرروا التخلص منهم مثلما حدث مع ضباط المدفعية.

في 22 فبراير 1954 قدم محمد نجيب استقالته، أصدر مجلس القيادة بيان إقالة محمد نجيب يوم 25 فبراير 1954، قيل في البيان إن محمد نجيب طلب سلطات أكبر من سلطات أعضاء المجلس، وأن يكون له حق الاعتراض على قرارات المجلس، حتى ولو كانت هذه القرارات قد أخذت بالإجماع.

ورد في البيان أيضًا أنه اُختير قائدًا للثورة قبل قيامها بشهرين، وأنه علم بقيام الثورة ليلة 23 يوليو من مكالمة تليفونية من وزير الداخلية فتحرك إلى مبنى القيادة وهناك تقابل مع عبد الناصر الذي وافق على ضمه وتنازل له عن رئاسة مجلس قيادة الثورة.

اندلعت مظاهرات كبيرة في الشارع تُطالب بعودة محمد نجيب وترفض استقالته، ففي رأي الناس، هذا هو الشخص الذي سيحول مصر إِلى الديمقراطية والتقدم. وعليه، لم يكن أمام مجلس قيادة الثورة إلَّا أن يرضخ لمطلب الناس ويُصدر بيانًا يُعلن فيه عوده نجيب مرة أُخرى للحكمز

وعليه، عاد نجيب ليُصدر في 5 مارس عدة قرارات أهمها ضرورة عقد جمعية لمناقشة الدستور الجديد وإقراره، وإلغاء الأحكام العرفية والرقابة على الصحف، والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين، ومن ثم سادت حالة من عدم الارتياح في معسكر عبد الناصر وشلته.

بعد ذلك تحولت مصر إِلى حالة من الفزع والهلع: سرقات لباعة الذهب المسيحيين، وعمليات قنص وقتل، وحالة من الفوضى العامة بلغت ذروتها في يوم 28 مارس؛ حين خرجت مظاهرات عارمة تُطالب بسقوط الديمقراطية، وسقوط الأحزاب.

دارت المظاهرات حول البرلمان والقصر الجمهوري ومجلس الدولة، كررت هتافاتها ومنها «لا أحزاب ولا برلمان»، وكانت الذروة عندما اشترت مجموعة عبد الناصر “صاوي أحمد صاوي” رئيس اتحاد عمال النقل ودفعوهم إلى عمل إضراب يشل الحياة وحركة المواصلات، وشاركهم فيها عدد كبير من النقابات العمالية وخرج المتظاهرون يهتفون “تسقط الديمقراطية تسقط الحرية”!!

قد اعترف الصاوي بأنه حصل على مبلغ 4 آلاف جنيه مقابل تدبير هذه المظاهرات.

وعلى ما سبق قرر عبد الناصر عزل محمد نجيب وتحديد إقامته في بيته، وحظي هذا القرار بتأييد شعبي كبير، خصوصًا بعدما عاد الأمن، وعادت الحياة إِلى طبيعتها.

في سياق منفصل، كانت الصفقة بين عبد الناصر وجماعة الإخوان المسلمين على أن يكونوا بجانبه مقابل مشاركتهم في الحكومة الجديدة، كانت أول لقطات الاتفاق بينهما وقتما أصدر عبد الناصر قرارًا بحل كل الأحزاب السياسية عدا جماعة الإخوان، وبرر ذلك بأنهم ليسوا حزبًا بل جماعة، وظل التحالف قائمًا حتى فاز عبد الناصر بالرئاسة، ثم طاردهم شر مطاردة، واتهمهم وألقى بهم في السجون.

في سياق منفصل آخر، أعلنت القوات المسلحة عن اختراعين، أولهما كان اختراع دواء يُعيد الشباب مرة أُخرى للعجائز، وأنه سيبدأ العمل بالجهاز قريبًا، وأيدهم بشدة الإخوان الـمُسلمون وباركوا اختراعهم، أما الثاني فكان اختراع طائرة بدون طيار، وأنهم سيعلنون عنها في غضون شهور، ثم تأجل الإعلان عنها، ولم يُعلن عن الاختراعين حتى الآن.

عودة إِلى سنواتنا الفائتة؛ فنرى الإخوان قد تحالفوا مرة أُخرى مع العسكر لينقضوا على الثورة، ثم أطاح بهم العسكر وأعادوهم إِلى السجون مرة أُخرى بتأييد شعبي. نرى الشعب قد قام بثورة عظيمة ليحقق الديمقراطية، والعيش الكريم، والكرامة؛ فعمت الفوضى حتى طالبت كتلة الكنبة بالقسوة والقهر والعنف.

نرى القوات المسلحة تُعلن عن اختراع يفتك بكل أنواع الفيروسات من إيدز وسرطان وبرد وإنفلونزا الخنازير والطيور والضغط والسكر والزيت والكوسة والكفتة وتقلية الملوخية. نرى رئيس الجمهورية يقول في خطابه: “الشعب المصري الذي قام بثورتين قادر على أن يقوم بثالثة”.

ويقول “الشعب المصري على وشك القيام بثورة ثالثة”، لمن يوجه الرئيس هذا الكلام؟! الثورتان الفائتتان أقالتا رئيسين يا سيادة الرئيس، أتوجه الكلام لنفسك؟! أتقول لنفسك أن الشعب على وشك أن يُلقي بك في السجن؟!.

نرى الرئيس يقول “الأربع سنين اللي فاتوا معلمهوش إنه ميقربش تاني” تُرى أهذه التعبيرات تُدلل أن صراعًا ما على السلطة – كالذي كان بين عبد الناصر ونجيب– يدور في أروقة قصر الاتحادية؟ سنناقش ذلك في مقال قادم.

ما أشبه الليلة بالبارحة! أيمكننا إذن توقع ما سيحدث في 2015؟ الإجابة هي بالقطع لا، لأن عاملاً جديدًا ظهر في المعادلة لا يمكن لأي فرض أن يتوقع سلوكه؛ الكتلة الحرجة الثورية من الشعب، لا يمكن لأي أحد أن يتوقع سلوكها ولا تعاملها مع المعطيات والدلائل.

وأنا أُعول عليها كثيرًا في انتشالنا من هذا المستنقع الذي نقطن فيه، تلك الكتلة الحرجة التي لم يصدق في وصفها أي أحد سوى الراحل أحمد فؤاد نجم حين قال:

حد فيهم كان يصدق .. بعد جهل وبعد خوف
إن حس الشعب يسبق .. أي فكر وأي صوت

نهاية، ماذا تتوقع في العام القادم، الإجابة واضحة وصريحة، يمكنني أن أهنئكم وأسوق أمنياتي بعام سعيد، بس أنا مش هعمل كده، 2015 تأتيكم برعاية “إنتو متعرفوش إنكو نور عنيا ولا إيه!” طااااخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد