ربما ليست المرة الأولى التي أكتب فيها، لكني أظنها المرة الأفضل.

أنا لا أدعي علمًا أو دينًا أو عمقًا. لكن هذه السطور التي بين يديك أعدها بمثابة آهات رجل أدركته سكرات الموت فأراد أن يوصي من بعده بما ظن أنها أعم ما فهم من حياته.

لعلي أكون مخطئًا في فهمي، لكن دعني أوثقها علّها تفيد.

***
كنا أو «كنت» نقسم الأشخاص في الماضي بأن هذا ملتزم وهذا غير. وكنا نشعر في أنفسنا بشيء من الحزن على هؤلاء البعيدين عن الالتزام ونظنهم مساكين، فهم لم يتذوقوا الإيمان. وكان لنا في بعض من هذا حق.

كان الهدف أن نجعل المجتمع ملتزمًا كي ننصر الدين. لكن حقًا ماذا يريد الدين لينتصر؟

***
ذات مرة دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم أعز الإسلام بأحب العمرين إليك. وكان يقصد عمر بن الخطاب (الذي كان يسعى لقتل النبي) والآخر هو عمرو بن هشام (أبو جهل وكلنا نعرف من هو)!

من سعى لنصرة دين الله كنبي الله صلى الله عليه وسلم؟ حينما أراد أن يبني دينًا كان يبحث عن الكتف التي تتحمل، حتى إنه رأى من فرعون هذه الأمة أن فيه من صفات الخير ما تقدر على ذلك!

خالد بن الوليد رضي الله عنه، ومن حمل السيف كخالد، كان يمسك القرآن ويقول شغلنا عنك الجهاد. ولم يكن يحسن أحكام التلاوة ولم يكن له صوت ندي، حتى إن بعض الناس كانوا لا يحبون إمامته لهم في الصلاة.
***

ماذا يفعل من لم يبلغه الدين؟

يقول العلماء إن بعض الناس في زمننا هذا لم يعلم عن الإسلام أو بعض الناس في الماضي كانوا بين فترة من الأنبياء لم يلحقوا من فاتهم ولم يلحقوا من بعدهم. هؤلاء كما روى النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى بهم يوم القيامة ويرسل لهم رسول ويمتحنهم فمن يؤمن به يدخل الجنة ومن يعصه يدخل النار.
***

النار، خالدين فيها أبدًا؟

كانت كلمة أبدًا عند العرب لا تعني اللا نهائية. بل تعبير مجازي عن طول الزمن. ولابن القيم رأيان أحدهما أن النار ستفنى بعد فترة لا يعلمها إلا الله ويخرج منها الناس.

وإن شئت ابحث عن هذا القول فليس مجالنا أن نتكلم في تأصيله. وأنا لا أقر به ولا أنفيه فقد اختلف معه علماء. والأمر أمر الله والملك ملكه وحاشا لله عز وجل أن يحكم في ملكه غيره ونشهد ألا إله إلا هو له الملك وهو على كل شيء قدير.

يقول علماء عصرنا إننا إذا اعتبرنا أن الزمن منذ البينج بانج «نشأة الكون» حتى وقتنا هذا سنة كاملة، فإن عمر البشر فيها بحروبهم وحضاراتهم وتخلفهم وتقدمهم هي آخر 14 ثانية في السنة فقط.

وقد قال صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى.

يوم القيامة سيدخل الله عز وجل الجنة برحمته سبعين ألفًا ومع كل واحد من السبعين ألفًا سبعون ألفًا آخرون بغير حساب!
***

ماذا أريد؟

لست أكتب لأقول إن كلًّا منا له ثغر ولا بد أن يسده فكلنا نعلم ذلك. هذه الدنيا صغيرة. انتهت قبل أن تبدأ، والناس فيها مساكين؛ خلقوا ليفعلوا الخير فيما بينهم، كل يفعل حسب فهمه وظروفه وأحواله. والله له الحكم في الأمر، ويدخل من يشاء الجنة ويدخل من يشاء النار، ويدخل من يشاء بغير حساب ويخلد من يشاء أينما شاء. فليس لنا أن نقرر شيئًا حتى إن علمناه، دعه لخالقه، ولا تحزن إن وجدت غيرك ليس على درجة تدينك، أو قل على درجة قربك من الله أو تحسبه بعيدًا. فهذا قريب بركعتين في جوف الليل، وهذا أدناه رحمة قلبه بكلب حين سقاه شربة ماء فدخل بها الجنة، وهذا قريب برصاصة قتل بها عدوًا، وذاك بخفة دم أدخل بها بسمة على مهموم. كل منا له قربه أو تدينه. ولعل طبيبًا سهر ليلته لينقذ روحًا كادت تموت أقرب عند الله من عابد أقامها بركعتين.

أنا لا أقلل من شأن العبادة أبدًا، بل ما أجمل أن تسعى لتزيد أخاك قربًا بالعبادة. لكن لا تظنه مسكينًا إن لم يتقبل. فالله وحده يعلم من منا المسكين.
***

انتهى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد