ما أصعب الانتظار وما أمله، أن تجلس والزمن يمضي دون أن يعود بالنفع على جسمك أو عقلك، إذ إن من نتيجة إهمال الزمن والجهل باستعماله ضياع الكثير من الفرص والهبات. كنتُ أبحث عن بعض المواد الصوتية باللغة الإنجليزية كي يتسنى لي سماعها في رحلتي اليومية بالقطار من مقر إقامتي إلى الكلية، وهذه الرحلة عادة ما تستغرق 50 دقيقة.

في بادئ الأمر كان الانتظار طبيعيًا بالنسبة لي، لكن بعد مضي أكثر من أسبوع بدأ الملل والتذمر يتسلل إليّ شيئًا فشيئا من هذه الرحلة المملة. قررت الاستفادة من هذا الوقت المهدر بالاستماع إلى مواد صوتية، فبعد بحث قصير وجولة سريعة في موقع SoundCloud وقعت بين يدي مـادة صوتية للرئيس الأمريكـي السابق باراك أوباما بعنوان:

(President Obama’s Message for America’s Students)

وهي عبارة عن خطاب من الرئيس باراك أوباما إلى طلاب الولايات المتحدة، وقد كان خاطبًا ملهمًا وذكيًا، إذ تحدث بشكل مركز وغير فضفاض عن محور أساسي وهو مسؤولية الطالب عن تعليمه ومدى انعكاسه على مستقبله ومستقبل الولايات المتحدة الأمريكية.

إن التعليم هو من يقرر حياة الإنسان ومستقبله وهو الركيزة الأساسية لنهضة الأمم والشعوب. والتعليم يجلو الأفكار، ويوقظ المشاعر، ويُحيي العقول، ويرقي الإدراك، ويملأ النفوس الخامدة حياة. كل إنسان لديه ما يميزه عن غيره، ويستطيع أن يقدم شيئًا مختلفًا لمجتمعه لكن ذلك مرتبط بأخذ زمام المبادرة ومحاولة اكتشاف ما يتميز به عن الآخرين، ويتعرف على أحواله الخاصة، ويقف على إمكاناته الكامنة حتى يعلم ماهو المجال الصحيح الذي يعبر فيه عن نفسه وتنطلق فيه قدراته. إن وضوح الهدف للإنسان يمهد له طريق الانطلاق نحو الاتجاه الصحيح وإن كثرت المعوقات والمثبطات من حوله.

الرئيس الأمريكي تطرق في خطابه إلى ثلاثة نماذج فعّالة وحقيقية أيضًا، وليست من وحي الخيال من أجل تحفيز الطلاب والدفع بهم نحو مواصلة تعليمهم مهما كانت الظروف والعقبات.

استهلَّ أوباما بذكر قصة فتاة تُدعى جازمين بيريز والتي لم تكن تتحدث اللغة الإنجليزية عندما بدأت الدراسة، نتيجة أنها من أسرة لاتينية، ولم تكن هذه الأسرة تجيد اللغة الإنجليزية بطلاقة، ولم تحظَ هذه الأسرة أيضًا بتعليم جامعي ما جعل فرصة إجادة اللغة التي تؤهلها للوصول إلى مراحل متقدمة في التعليم قد تكون ضربًا من ضروب الخيال لهذه الفتاة! وقد شكك البعض في إمكانية استمرارها ووصولها إلى المرحلة الجامعية.

إلا أن جازمين كانت تملك الرغبة والباعث الذي جعلها لم تدخر جهدًا لتجاوز هذه العقبة والتي لم تكن بالأمر السهل، إذ أن إتقان اللغة الإنجليزية يعتمد على أربع مهارات أساسية وهي: السماع، والقراءة، والتحدث، والكتابة، وإتقانها فيه شيء من الصعوبة، ويفشل الكثير من الطلاب من مختلف دول العالم في تجاوز هذه العقبة!

استطاعت هذه الفتاة التخرج بمعدل عالٍ جعلها تحصل على منحة لدراسة درجة البكالوريوس في جامعة براون، وهي إحدى أعرق الجامعات الأمريكية. ولم تقف جازمين عن العمل بعد أن حصلت على درجة البكالوريوس في الأحياء البشرية، بل واصلت تعليمها لمرحلة الدراسات العليا في تخصص الصحة العامة بجامعة تكساس في هيوستن، وكما قال أوباما:

الآن هي في طريقها لتكون دكتور جازمين بيريز

ماذا لو اعتقدت جازمين بيريز بأنها غير قادرة على تجاوز هذه العقبة، واحتفظت ببعض الأعذار الواهية حتى تسوغ فشلها لبقيت كما هي، ولم يعلم عنها أحد داخل الولايات المتحدة أو خارجها، ولم يذكرها الرئيس الأمريكي كنموذج يحتذى به أمام الجميع.

إن أخطر ما يشل روح الإنسان وإرادته هو الإقرار بالعجز قبل أن يبدأ المسير ولو أقر به الكثيرون قبل البداية لمَا تحقق لهم شيء. إن التحديات التي تواجه الإنسان والصعوبات دائمًا ما تصقل شخصيته، وتجعله قادرًا على الذهاب بعيدًا لتحقيق أهدافه وتطلعاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد