لست من الأسرى لنظرية المؤامرة، ولست من المؤمنين بأن كل ما في الوجود سُخر للتآمر علينا، ولكن الأيام أثبتت أننا النظام الحالي بمصر ليس نظامًا ساذجًا أو مغفلًا، وليس أيضًا نظامًا بريئًا حتى لا نشك في نواياه.

اعتذار أم أسلوب جديد لاستجداء؟

مما لا شك فيه أن تسريب قائد الانقلاب الذي صرح فيه بأن أموال الخليج كثيرة مثل “الرز” سبب نوعًا من البلبلة في العلاقة بين الخليج وبين السيسي، حتى وإن لم تطفُ هذه البلبلة للسطح، ولكن أن يكون الرمز في أوبريت “مصر قريبة” وبطل الأوبريت الرئيسي شاب خليجي فإن هذا في رأيي لا يندرج تحت طائلة ترويج السياحة، بل يندرج تحت طائلة استجداء أو استعطاف الخليج للعفو أو الصفح، أو ربما للتأكيد على أن مصر قريبة للخليج.

هل ثمة جدوى لمثل هذه الأوبريتات على المصريين؟

في الواقع أثبتت الأيام أننا شعب عاطفي يتأثر ببعض الرموز العاطفية، لهذا تم استدعاء كل الممثلين والفنانين المحسوبين على النظام بل وبعض الفنانين الذين ثبت تورطهم مع النظام السابق عن طريق نفاقهم ودعم النظام ضد ثورة 25 يناير.

ولكن الفيصل هنا أن الشعب لم يعد متعلقًا بهذه الرموز، وأعني بالشعب ذلك الشعب المنهمك في جمع قوت يومه، ذلك الشعب المطحون – بكل ما تحمله الكلمة- بين راح القهر والقمع وراح مشقة الحياة وصعوبتها، ذلك الشعب الذي يسابق الأيام ليحصل على أبسط حقوقه كمواطن في هذه البلاد قبل أن يحترق في أتون العجز والفقر!

فإذا لم يكن هذا العشب هو المستهدف من “الكليب ككليب وطني” إذًا من المستهدف؟!

من هو ذلك الشخص المُفترض منه أن يشعر وكأنه في بلده؟!

ربما يكون المستهدف ذلك الشاب ذا الغترة والعقال فهو الأجنبي الوحيد المستهدف في هذا “الكليب”.

هل كان هذا “الكليب” حقًّا لدعم السياحة؟!

 

في الواقع إذا سُئلت عن رأيي المتواضع في قضية الدعاية للسياحة وخلافه سأقوم بتصوير مشاهد طبيعية وخلابة ومنتجعات سياحية فخمة وآثار مصر الشهيرة مثل الأهرامات، وربما إذا مُنحت فرصة لتصوير آثار مصر وحضارتها سأتجول بكاميرتي في المتحف المصري أو دير سانت كاترين أو معبد الكرنك أو مسجد الرفاعي أو مسجد السلطان حسن.

وربما لو أني خيرت بين صور رحلات بحرية لاخترت صورًا للبحر الأحمر من شرم الشيخ أو الغردقة، وقمت بوضع ترجمة بلغات مختلفة، وقمت بعمل هذه الإعلانات في القنوات العالمية بدلًا من “أغنية” باللغة العربية وباللهجة المصرية العامية التي لا يفهمها حتى بعض العرب!

إن القاهرة القديمة مليئة بما يجذب اهتمام السياح غير المقاهي والنوادي الليلية!

في الواقع في هذا “الكليب” لم أرَ سوى المقاهي والنوادي الليلية والمراكب النيلية أو حتى عبارات النيل – التي حتى وإن نجحت في الوصول لمقصدها دون أن تتعرض لحادث أو تتعرض للغرق لا تتمتع بهذا القدر من الفخامة- وحتى ولو كان النيل شريان الحياة في مصر ومن أهم هبات الله لمصر، ولكن يوجد في مصر ما يستحق التصوير أكثر من فرح في مركب نيلي أو راقصة في ملهى ليلي!
هل الشعب المصري ذلك الشعب الذي ظهر في “الكليب” حقًّا؟

إن بسطاء هذا الشعب بالتأكيد ليسوا مثل غادة عادل بائعة الورد، فما رأيته من بائعي الورد والمتسولين أنهم أطفال منكوبون سلمتهم الحكومة لعصابات وتركتهم تحت رحمة الفقر والتشرد.
بسطاء هذا الشعب تم التلاعب بهم من الإعلام لدرجة تسببت باعتقال بعض الأجانب لمجرد تحدثهم بالإنجليزية داخل المواصلات، فكيف يكون هذا الاستقبال الرحب لأي أجنبي وقد تعمد النظام تشويه الأجانب!

ربما تناسى صانع هذا “الكليب” أن قطر دولة خليجية أيضًا، وربما تناسى أن هذا الشاب الذي جعله رمز أغنيته قد يكون قطريًّا! وإذا علم بعض من تعمد النظام تغيبهم أن هذا الشاب شاب قطري فلا أعتقد أنه سيجد محمد منير يستقبله في المطار، ولا آسر ياسين يختم له باسبوره “القطري” بابتسامة، ولا لطفي لبيب يٌقله في سيارته الليموزين!

هذا الشعب ليس بهذا الترف في ملابسه أو النعيم الظاهر في وجوه “الممثلين”، فلو نظر صانع هذا “الكليب” لوجوه المصريين لوجد الوجوه الكادة التي كساها الشحوب والهم والفقر.
ربما يبدو للوهلة الأولى أن هذا المقال سياسي، ولكن الحقيقة الوحيدة إن السبب الرئيسي لكتابة هذا المقال هو الغيرة على هيبة هذا الوطن، وأنا أرى من كُنا نظنهم عقولًا فنية مبدعة تختزل حضارة شعب بأكملها في صور المقاهي والنوادي الليلية والمراكب النيلية الفخمة وسيارات الليموزين الفارهة، وقد رأيت نفس المشاهد التي كنت أراها في كليبات الحزب الوطني المنحل وأغنية اخترناك.

إن الزمان يعيد نفسه والأنظمة تتناسخ وتبقى الحقيقة الوحيدة أنه لا علاقة بين الشعب الحقيقي والشعب المُصور في هذه “الكليبات الوطنية”!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد