منذ أكثر من 14 قرنًا صعد النبي -صلى الله عليه وسلم- على جبل الصفا ونادى قريشًا بطنًا بطنًا حتى اجتمعوا له جميعً ما تخلف عنه أحد منهم فقال لهم: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبًا، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله فخشي ان يسبقوه فجعل ينادي: يا صباحاه».

صيحة حق من النبي -صلى الله عليه وسلم- في قومه تذكرهم بأن لهذا الكون إلاه، وأنه رسول الله، وأن تصديقهم به وأتباعه هو حياة الصلات التي تربطه بهم، فكل رباط يربطه بهم ليس الإيمان أساسه فلن يغني عنهم من الله شيئًا، ورغم ما يعرفونه عنه من طهر وشرف وعظيم خلق، ورغم ما شهدوا له به من صدق وأمانة حتى لقبوه بينهم بالصادق الأمين، إلا أنهم تنكروا لرسالته، وواجهوها بمجرد أن صدح بها بكل صنوف الإعراض والتكذيب، ولم يتركوا وسيلة من شأنها أن تثنيه عن دعوته إلا واستخدموها.

فعرضوا عليه المال حتى يكون أكثرهم مالًا، والزعامة فلا يقطعون أمرًا دون مشورته على أن يترك هذا الذي يدعو إليه، فكان رده عليهم «والله لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته»، فواجهوه بأبشع حملة تشويه يلقاها بشر، فسفهوه وانتقصوه وسخروا منه وسلطوا عليه سفهاءهم ورموه بالسحر والكهانة والافتراء على الله فصبر واحتسب، ونكلوا بصحابته الكرام وساموهم سوء العذاب حتى مات بعضهم تحت سياط جلاديهم فصبروا واحتسبوا، واضطروهم إلى الهجرة عن وطنهم إلى حيث أمرهم رسول الله فهاجروا إلى الحبشة مفارقين الأهل والأموال والديار صابرين محتسبين.

وحتى لم يسلموا منهم في دار هجرتهم، فلم يتركوهم فيها يعيشون سالمين بل بعثوا خلفهم من يطلبهم من ملك هذه البلاد ويحذره منهم ويثير الناس عليهم هناك، حتى أجمعوا أمرهم على قتل النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى أذن الله له بالهجرة إلى المدينة وفراق مكة التي وصفها حين خروجه منها بقوله: «الله يعلم يا مكة أنك أحب بلاد الله إلى الله وأحب بلاد الله إلى رسول الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت»، بل إنهم أثاروا على دعوته غبار الشبهات وألقوا عليها ظلم الاتهامات وألبوا عليه وصحابته القبائل وحزبوها لحربه واستئصال شأفته «يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون».

ولم تكن أبدًا مشكلة قريش مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، ولكن حقيقة مشكلتها كانت مع الدعوة التي جاء بها «قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون». وهي مشكلة كل الكافرين والمنافقين في كل عصر ومصر من دعوة الحق وحملتها إلى يوم الدين.

إذ أنها دعوة تسلب كل سلطان سلطانه حتى لا يكون في الأرض إلا سلطان الله، فلا حكم إلا حكمه، ولا شرع إلا شرعه، والحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، ووراثة الأرض بحق قاصرة على عباده الصالحين، فلا مكان لظالم ولا لمستبد ولا لأكل أموال الناس بالباطل، ومن حاد عن شرعه أو نازعه في حكمه سلط عليه عبادًا له أولي بأس شديد يضربون على يده ويردونه عن غيه، ولذا فسيظل موقف كل الكافرين والمنافقين والجاهلين من الدعوة ومن يبشرون بها هو نفس موقف قريش من النبي ودعوته في كل عصر.

وإنك لتعجب عندما تقرأ ذلك على لسان أحد المصلحين وهو الإمام حسن البنا وهو يكلم تلامذته عما سيكون عليه موقف الناس من دعوتهم إذا ما عرفوها فيقول لهم: «أحب أن أصارحكم أن دعوتكم ما زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها ستلتقي منهم خصومه شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيرًا من المشقات وسيعترضكم كثير من العقبات، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات. أما الآن فلا زلتم مجهولين تمهدون للدعوة وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد.

سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تجد من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم. وسيتذرع الغاصبون بكل طرق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال وإليكم بالإساءة والعدوان.

وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يبصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة، معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة:32). وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فستجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت:2). ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم…. فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) (الصف:10-14).

فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟ إنها سنة الله في الدعوات، فهل يعقل أن يظل الحق أعزل بلا قوة تحميه؟ وهل يعقل أن يظل أبناؤه دائمًا في موقف المفعول به لا الفاعل؟ وهل يمكنهم إسعاد العالمين بالخير الذي بين أيديهم دون قوة تحميه من قطاع الطرق؟ وهل يمكنهم التبشير بدعوتهم وحمل الناس عليها دون أن يجهدوا لها جهدها وأن يضحوا في سبيلها بالأرواح والأموال وكل رخيص وغال؟

من أجل ذلك فرض الله الجهاد على كل مؤمن فريضة لازمة إلى يوم الدين، لا أداة للعدوان، ولا تحقيقًا للمطامع الشخصية، ولكن لتأمين حرية الدعوة، ومنعًا للفتنة، وحماية للحريات، وردًا على العدوان، وتأديبًا للمعتدين، وإنقاذًا للمستضعفين، وحماية للسلام بل وفرضه بالقوة.

من أجل هذه المقاصد فقط يجاهد المؤمن، ولا يتعداها إلى غيرها وإلا لم يكن جهاده في سبيل الله «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» فلا يقاتل إلا من قاتله، ولا يعتدي فيبدأ بالقتال، ولا يعتدي فيتعدي من قاتله على غيره، فلا يعتدي على شيخ ولا امرأة ولا طفل ولا راهب في صومعته ولا مسالم، ولا يعتدي بالتخريب وقطع الأشجار وإشاعة الدمار حتى يكون قتاله بحق في سبيل الله وليس فيه نية استعلاء وجبروت وطغيان».

ولقد عمد الكافرون وأعوانهم من المنافقين إلى تشويه هذه الفريضة في أعين الناس، وإلى إطفاء جذوتها في نفوس المسلمين، واصفين الإسلام بأنه دين الإرهاب والتطرف، وحملته بأنهم سفاحون قتله، وأن ظهور دولته من جديد معناه أن تعتدي على غيرها من الدول ناشرة دعوته بحد السيف، معتمدين في دعاواهم على نصوص كان لها ظروفها، أو اجتزئت من سياقها، مع أن نصوص الإسلام في مصدريه الكتاب والسنة واضحة صريحة تؤكد على أن رسالة الإسلام هي رسالة السلام، وهي الحصن الحصين الذي يحتمي به الغير ما التزموا بالمبادئ والآداب التي تجمع المجتمع الإنساني، انظر مثلًا إلى قوله تعالى: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ » انظر، إنها دعوة جاءت لتحمي كل معابد الأديان السماوية وليس المساجد فقط، فما لهم كيف يحكمون؟

كما أن ممارسات المسلمين عبر مختلف العصور لتؤكد ذلك، ولتقرأ العهدة العمرية التي كتبها أمير المؤمنين عمر إلى أهل بيت المقدس عند فتحها لتقف معي على عظمة هذا الدين وعظمة هؤلاء الأطهار الذين حملوا لواء دعوته وبشروا برسالته، فها هو عمر يكتب كتابه لهم قائلًا: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله، عمر، أمير المؤمنين، أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقمها وبريئها وسائر ملتها. أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من حيِّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود. وعلى أهل إيلياء أن يُعطوا الجزية كما يُعطي أهل المدائن. وعليهم أن يُخرِجوا منها الروم واللصوص. فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا أمنهم. ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية. ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بِيَعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بِيَعهم وصلبهم حتى يبلغوا أمنهم. فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية. ومن شاء سار مع الروم. ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم.

وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية.

كتب وحضر سنة 15 هجرية.

شهد على ذلك: خالد بن الوليد، وعبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان

وفي عصر أصبحت فيه وسائل نشر الدعوة متعددة حتى أصبح العالم كله كقرية صغيرة بفضل هذه الثورة التكنولوجية، وأصبحت فيه مؤسسات من المفترض أنها ستقوم بدورها لتنظيم المجتمع الدولي، وان لم تقم فهناك من الوسائل ما يتخذ للضغط عليها وتوجيه بوصلتها تجاه دورها المفترض، أصبح جهاد الطلب عند قيام أول نواة للدولة الإسلامية قاصرًا على حماية الثغور وتقوية الجيوش وحسن تجهيزها بالعدة والعتاد وعمل المناورات العسكرية التي تبرز للجميع قوة الدولة واستعداداتها لكل اعتداء متوقع مما يوقع الخوف في قلب كل باغ معتد، تسالم من سالمها، وتعادي من عاداها، وقاتلها في الدين وأخرج المسلمين من ديارهم وظاهر على إخراجهم، وما عدا ذلك فليس بينها وبين غيرها من الدول إلا البر والقسط والتعاون على ما فيه خير البشرية «لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ».

وبعد فالله أسأل أن أكون قد وفقت إلى أن أبرز شرف غاية ونبل مقصد فريضة الجهاد داعيًا الله جل في علاه أن يهيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته إنه نعم المولى ونعم النصير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد