تكلمنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة (رابط المقال الأول) عن تعريف السلفية، وسبب نشأتها، وأنها كانت ردَّ فعلٍ على سقوط الخلافة العثمانية، وهذا هو المسار الأول.

 

ثم بدأنا الحديث في المسار الثاني الذي نتناوله في سلسلتنا هذه، وهو: أخطر مخططات أعداء أمة الإسلام.

 

وانتظم حديثنا في الحلقة الثانية (رابط المقال الثاني) عن المخطط الأول، وهو: صَرْفُ الأمة عن مصدَرَيْ عزتها وقوتها، القرآن الكريم والسنة المطهرة.

 

ثم تكلمنا في المقال الثالث عن المخطط الثاني، وهو: اسْتِقْطَابُ العُمَلاءِ في مختلف المجالات؛ ليقُوموا بِدَوْرِهم في وَأْدِ أيِّ مُحاولةٍ –فردِيَّةً كانتْ أو جماعيةً – لإنْهاضِ هذه الأمةِ من كَبْوَتِها، وإعادةِ جذورِ النخلةِ إلى مكانها.

 

ونتناول – بإذن الله – في هذا المقال المخطط الثالث من مخططات أعداء أمة الإسلام، ألا وهو: إغراقُ الأمةِ في مستنقع الشهواتِ والفتنِ، مما يُصَعِّبُ مَهَمَّةَ الدعاة والمصلحين ويُشتِّتُ جهودَهم.

 

فقد علِم أعداؤُنا عنَّا أنَّنا عَرَبٌ، والعربُ – بخلافِ العجَمِ – دماؤُهم حارةٌ، ومشاعرُهم جَيَّاشَةٌ فَيَّاضَةٌ، تأْسِرُهم الكلمةُ المُعَبِّرَةُ، ولَرُبَّمَا تَغَيَّرَ مصيرُ إنسانٍ لكلمةٍ يسمعُها!

 

هكذا نحن، وهكذا كان أجدادُنا، وإنْ فارقْناهم في فصاحةِ اللسان، ودَبَّت العُجْمَةُ في ألسنتِنا، ولكنَّ تَغَيُّرَ الألسنةِ يسيرٌ، أما تغيُّرُ الدماء فأمرٌ عسيرٌ عسيرٌ.

 

وإطْلالةٌ قصيرةٌ على التاريخ تَشهدُ بذلك.

 

إن العربَ – قبلَ بعثةِ النبي الأمين صلوات الله وتسليماته عليه – كانوا يعيشون على هامش الدنيا، ليس لهم حضارةٌ ماديةٌ تتمثلُ في اقتصادٍ قويٍّ وجيشٍ نظاميٍّ وبِناياتٍ ضخمةٍ، بل كان أغلبُهم يسكن الخيامَ أو البيوتَ ذات الطابَق الواحد، في وقتٍ كان الفرس والروم يتطاولون في البنيان، وعندهم من مُقوِّماتِ الحضارة المادية ما جعلهما أقوى قُوَّتَيْن على ظهر البَسِيطَة، في ذلك الوقت كان جُلُّ ما يَشغْل العربَ هو ذلك البيان الذي امْتَنَّ اللهُ به على عباده، شِعْرًا ونَثْرًا، فكانوا يعقدون لذلك المحافلَ الأدبيةَ التي يَشهدُها النُّقادُ والشعراءُ والأدباءُ من كل حَدَبٍ وصَوْبٍ على امتداد جزيرتهم مُترامية الأطراف.

 

ظل الحال هكذا حتى البعثةِ النبوية وإقامةِ الدولة الإسلامية الجديدة، والتي ما مات مُنْشِئها العظيمُ، صلوات الله وسلامه عليه، حتى دَقَّتْ بعنفٍ أبوابَ كسرى وقيصر، وهنا وقف (رُسْتُم) قائد قوات الفرس يقول لـ(رِبْعِيِّ بن عامرٍ) رضي الله عنه: ما أنتم؟!

 

وانظر إلى استعماله لـ(ما)، وكأنهم غيرُ عاقلِين!

 

نعمْ، إنكم أيها العربُ ظللتُم طوال السنين الماضية لا نعرف عنكم سوى أنكم رعاةُ غنمٍ، تتقاتلون لسنواتٍ طوالٍ لأجل ناقةٍ أو كلمةٍ لَمْ تَرُقْ لكم، فما الذي جَدَّ عليكم، وجَمَعَ شَمْلَكُم، ووحَّدَ صَفَّكم، وجعل لكم حضارةً، وأتى بكم إلى هنا ناشرِين ثقافَتَكم وحضارَتَكم؟!

 

إنه القرآن الكريم!

 

ذلكم الكتابُ المعجز الذي دانَتْ له في أقلَّ من ربع قرنٍ من الزمان جزيرةُ العرب كلها.

 

ولَمْ يَكْتَفِ بذلك، بل حَثَّهم على نشره وتعريف الناس به، وتعليمهم إياه؛ لإخراجهم به من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان.

 

فلا عَجَبَ أنْ يكون ردُّ (ربعي بن عامر) رضي الله عنه على سؤال رستم هو:

“نحن قومٌ ابْتَعَثَنا اللهُ لنُخرِجَ العبادَ من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد، ومن جَوْرِ الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضِيق الدنيا إلى سَعَةِ الدنيا والآخرة”!

 

هذه هي رسالتنا بأبلغ عبارةٍ وأوجزِها، وهذه هي حضارتنا وثقافتنا بأبْهَى صورةٍ وأجملِها!

 

ولا يُفهَم من ذلك أبدًا أن الرسالة النبوية والحضارة المُصْطَفَوِيَّة جاءتْ لتقضيَ على ما كان عليه العربُ من اهتمامٍ بالبيان شعرًا ونثرًا، بل إن هذا الكتابَ المعجزَ – والذي دخل أَساطِينُ البيانِ العربي في الإسلام بمجرَّد سماعِه – لم يكنْ ليُغلِقَ بابَ البيان أمامَهم، ولكنْ ليفتحَ لهم بابًا أرْحبَ ومَيدانًا أوسعَ للانشغال به.

 

“الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ”

 

كل ذلك مع الاحتفاظ بتُراثهم الخالدِ من إنتاجهم الأدبي، والاستعانةِ به في حفظ لسان العرب من الانْدِثارِ كما اندثرتْ ألسِنَةُ غيرهم.

 

نعم، إن لسان العرب هو أعزُّ ما يملكون، وبِدُونِه يَضيعون ويَهلَكون، كما سبق بيان ذلك في الخطة الأولى من خطط الأعداء.

 

لقد سَمِع الفَرَزْدَقُ يومًا بيتًا من الشِّعر، فسجد، فلما اسْتَنْكَرَ الناسُ فِعْلَتَه، قال: أنتم تعرفون سجدةَ القرآن وأنا أعرف سجدةَ الشِّعر!

 

وبصرف النظر عن خطأِ ما فعله الفرزدقُ من صوابه، ولكن الشاهدَ هنا أننا أمةٌ حارةُ الدماء، نُحب الكلمةَ، وتَمْلِكُ علينا قلوبَنا، وتلك هي الحقيقةُ التي أريد تقريرَها هنا.

 

فإذا تقررتْ هذه الحقيقةُ لديكَ قارئي الكريم، فلْتعلَمْ أن العربيَّ قد يظل أسيرًا لشهوةٍ من الشهوات لا يُفيق منها، فتجدُ العربي إذا أدْمَنَ الخمرَ – مثلاً – فإنه يشربُها ليلاً ونهارًا لا يكاد يُفيق منها، فيتحول مع الوقت إلى أسيرٍ للخمر.

 

قارِنْ ذلك بالأعْجَمِيِّ الذي يشرب الخمر ليلاً حتى الثُّمَالَةِ، ثم إذا طلع النهارُ إذا به في مصنعه أو معمله، يعمل بجدٍ ونشاطٍ، وكأنه لم يكنْ بالأمس سَكرانَ كالمجانين!

 

خُذْ على ذلك مثالاً آخر، إن العربي إذا ابْتُلِيَ بعشق امرأةٍ فإنها تملكُ عليه قلبَه، وقد يترك لأجلها أهلَه وعملَه وأصحابَه، بل قد يضيع عقلُه كذلك، وما مجانينُ لَيْلَى ولُبْنَى وغيرهِما منا ببعيد!

 

بينما الأعجمي تجدُه ليلاً في حُضْنِ امرأةٍ عشيقًا مخلصًا، ونهارًا في حضن عمله مجدًا نشيطًا!

 

هكذا العربُ، لا يكادون يَفْصِلون بين عواطفهم وحياتهم العملية، بينما الفصلُ بينهما من أيسرِ ما يكون عند العجم.

 

والواقع العملي يشهد لذلك، فإن بلاد الأعاجم ينتشر فيها الخمرُ والزنا والقِمارُ وكل الموبِقاتِ، بينما هم في أعلى الدرجات العلمية والعملية.

 

وفي الوقت الذي تُرْتَكَبُ فيه هذه الموبقاتُ في بلادنا على استحياءٍ – قَلَّ كثيرًا هذه الأيام – وفي أماكنَ مخصوصةٍ – انتشرتْ كثيرًا هذه الأيام – إذا نحن في ذيل الأمم من الناحيتَين العلمية والعملية.

 

عرفتَ لماذا قارئي الكريم، لأن أقلَّ القليل من هذه الشهوات يُلْهِبُ مشاعرَنا ويُحَوِّلُنا لأَسْرَى حربٍ لها، بينما غيرُنا لا يملك عُشْرَ ما عندنا من حرارة الدم والمشاعر، فيفعل أضعافَ ما نفعل، وإذا به في مقدمة الصفوف!

 

ثم إن القوة في أي أمةٍ من الأمم هي في شبابها، فإذا أردتَ إضعافَ أيّ أمةٍ فعليك بالشباب، وهذا هو الذي حدث ويحدث إلى الآن.

 

إن شبابنا – والحديث عنهم يطول ويطول – لم يعد لأكثرهم هدفٌ يعيشون لأجله، كما أنهم في غفلةٍ – مُرَادَةٍ لهم – عن لغتهم وتاريخهم المجيد، وكل ذلك بسبب الانغماس حتى مَفْرِقِ الشعر في الشهوات والملذات، والمقارنة بين المطربين والمطربات، الأحياءِ منهم والأموات!

 

فماذا تنتظرُ منهم بعد ذلك كله سوى اليأسِ ثم الضَّياع؟!

 

كان كل ما سبق استعراضًا موجزًا لبعض صور الواقع الذي سبق وصاحَب وتَلا سقوطَ الخلافة العثمانية، ولعلك قارئي الكريم في غِنىً عن سردِ ما جرى بعد ذلك من تقسيمٍ وتفكيكٍ لدولة الإسلام، وحصر كل قُطرٍ منها داخل حدودٍ وهميةٍ من صنع مُحْتَلِّيهِ، تفصلُ بينه وبين جيرانه، الذين كانوا بالأمس القريب شركاءَ وطنٍ إسلاميٍّ كبيرٍ.

 

وأظنك أيضا في غنى عن سرد التاريخ المؤلم للصراعات والنزاعات التي دارت بين كثيرٍ من هذه الأقطار – التي كانت يومًا ما قُطْرًا واحدًا – لأجل قطعة أرضٍ أو بئرِ نَفْطٍ أو شاطئٍ أو نهرٍ.

 

في الحلقة الخامسة من هذه السلسلة نبدأ تناول المسار الثالث والأخير منها، ألا وهو: بيان العللِ والأمراضِ التي أصابت التيار الإسلامي عبرَ العقودِ الماضية، وسُبُل عِلاجِها.

 

فتابعونا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد