دهى الجزيرة أمرٌ لا عزاءَ له *** هوى له أُحدٌ وانهدْ ثهلان

بين عام مضى وآخر آتٍ، بين سرد لذكريات غابت وطموحات أشرقت، بين شروق وغروب دام خمسمائة واثنين وعشرين عامًا، لم تغب شمسك عن محبيك حتى وإن تلبدت في سمائها الغيوم، فحتمًا ستُشرقَ من جديد.

أما زلت تذكرينني طفلاً صغيرًا حافيًا على شواطئ المغرب عندما كنت ترسلين لي تحياتك في أمواج تعانق برودتها قدميّ، وكنت أرسل لكِ أشواقًا في نظرات تستعجل عبور هذا المضيق اللعين الذى يفرق بيننا؟ أتذكرين عبوري مع ابن زياد رغم أنف والديّ فلست صغيرًا أنا كما يظنون؟ أتذكرينني عندما احتضنتك بدمائي في وداي برباط وبلاط الشهداء؟

 

فاسـأْل بَلَنْسِيَـةً ما شأنُ مُرْسِيَــةٍ؟ وأيـنَ شَاطِـبَـةٌ؟ أم أيـن جَيَّــان؟

تذكرين ولم تنسي جلسات السمر في الربيع في رحاب مسجد قرطبة الكبير بعد عصر كل جمعة، وتكبيرات العيد في مساجد أشبيلية، صلاة القيام في مساجد بلنسية، قصص حب تصدعت لعظمتها جبال طُليطلة الشاهقة. أتذكرينني عندما لهوت في بساتين الزهراء طفلاً صغيرًا ثم دفعت دمائي ثمنًا لعزك في الزلاقة؟ أتذكرينني شاعرًا يتغنى الناس بشعري في كل أنحاء الجزيرة.

في مدخل الحمراء كان لقاؤنا ما أطـيب اللقـيا بلا ميعاد
عينان سوداوان في حجريهما تتوالـد الأبعاد مـن أبعـاد
هل أنت إسبانية ؟ ساءلـتها قالت: وفي غـرناطة ميلادي
غرناطة؟ وصحت قرون سبعة في تينـك العينين.. بعد رقاد
وأمـية راياتـها مرفوعـة وجيـادها موصـولة بجيـاد

أتذكرينني عالمًا سهر الليالي في كتابه علم أضاء العالم؟ أتذكرينني عاملاً بسيطًا ذا صوت رخيم يخفف عن أصدقائه شمس غرناطة الحارقة بموشحات أجداده عندما كنا نبني الحمراء . أتذكرين عندما اشتد الأمر علينا لم تلفظي كتبًا دفنتها في أرضك ليلاً ولم تلوميني على ذلك! وقتها كنت مدركًا أنني سأعود لكِ يومًا شابًا قويًّا يسترد حصونك ويستخرجها مرة أخرى . لم تسألي متى سيعود هذا الشاب؟! لأنكِ موقنة أن الله لن يتركك وحيدة أبد الدهر.

تبكي الحَنِيفِيَّـة البيضـاءُ من أَسَفٍ
كما بكـى لِفِـرَاقِ الإِلْـفِ هَيْمَانُ
عَلَى ديـارٍ من الإسـلام خالـيـةٍ
قد أقْفَـرَتْ و َلَهـا بالكُفْرِ عُمْـرَانُ
حَيثُ المساجدُ قد صارت كنائسَ ما
فيهن إلا نَواقيسٌ و صُلْبَـــــانُ
حتى المحاريبُ تبكي و هــي جامدةٌ
حتى المنابرُ تَرْثِي و هي عيــــداَنُ

أتذكرين عندما كنت أهمس إليك وحيدًا في جوف الليل بالعربية بعد أن فرضوا علينا القشتالية؟ أتذكرين عندما كنا نصوم ونفطر ونصلي سرًّا؟ أتذكرين مشهد إعدامها؟ كانت عنيدة في كل شيء حتى في الحب! أعدموا قلبي معها لعنهم الله، لكن للّقاء أمل في جنان الخلد. أتذكرينني ميتًا غسلني وكفني ودفنني سرًّا صديقي رحمه الله. وقتها لم أحزن فالموت في أرضك حياة.

قبل الختام يا عزيزتي لدى سلام إليكِ من رضوى التي أخذتنا ولو لسويعات في رحلة خلف غيوم سمائك دارت بنا في شوارعك وأزقتك، زرعت فينا الأمل من جديد.
يقولون إن رضوى قد ماتت. رضوى لم تمت رضوى ما زالت حية في دار أبي جعفر الوراق في البيازين في غرناطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأندلس, تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد