أخي الأكبر الفاضل، والأقرب إلى الروح، الدكتور إبراهيم أبو محمد؛ أجدني في البداية مُلزمًا ومجبرًا على الاعتراف لك بأمر يراه تكويني وتجده نفسي أولى بأن تبدأ به، وطالما نحتاج حين الاعتراف للآخرين بما لدينا إلى أن نقدم كلماتنا في حبور وسرور، كجريان نهر صغير في أرض لم تعتد فيض الحياة وجريان أسبابها؛ بخاصة لما تأتي أسباب اللقاء والسعادة على حين غفلة، ومن الغفلة وعدم الانتباه التنبه إلى الكلمات وتزيينها وتزويقها حينما تخص الأحباب.

أخي وصديقي الأقرب الفاضل، لطالما تعجبتُ من زيارتكَ لي في المنام، على غير إعداد أو ترتيب أو نية من نفسي، ومع سهري الطويل معك، والتقاء الروحينِ في عالم البرزخ، الأقرب والأيسر في المنام، مع تكرار زيارتك وجدتُ قلمي الآن ينكر ولا يستطيع أن يكتب لك «صديقي مجردة»، إذ إنك لديك أكبر من ذلك، وأكثر قربًا من القلم وصاحبه الكاتب.

ويزداد التعجب من أننا لم نلتقِ في الحياة غير سويعات قليلة في مؤتمر زاخر باللقاءات والانشغال؛ والهرولة خلف المعاني والتدبر في الأفعال الخاصة بالأمة، وهناك في قلب الغربة رسا «هلب» حائر، وترس دقيق مسنون حاد بالداخل بعلامة من علامات الطمأنينة في الحياة، إذ وجدك أخيرًا.

كانوا يحدثوننا عن عالم الأرواح واللقاءات فيه، وحسن هدايا الخالق في تلك اللقاءات، وكان الداخل منا يتعجب إذ إن البشر في الغربة غير المحدودة ولا المحددة يبدو للنفس أنهم صاروا -إلا مَنْ رحم ربي- كالغنم في الليلة الشاتية المطيرة، هذا يبحث عن غطاء للرأس والجسد يكفيه طوال العمر، وذلك لا يردعه موت أو مصير عن النهل من الخيرات -أو ما يراه كذلك- وإن جاوز ما يمكن أن يُشبع البشر إلى ما لا يرضي الطماع، عوضًا عن الكلمات التي لم تعد تجاوز الحناجر؛ جميعهم -إلا النذر اليسير- يتحدث ويمطر من فيه كلمات كالمياه المشوبة والمختلطة بدخان القنابل؛ فيما يرى المتحدث المستفيد أنها متألقة بمدد السماء؛ جميعهم -إلا عباد الله المخلصين- يتحدث عن الظلم وأضراره، ونهبه البلاد والعباد؛ وجميعهم -إلا أقل القليل- يحرصون على ظلم الآخرين.

كانوا يحدثوننا عن عالم الأرواح فنتعجب؛ إذ يبدو أن قسوة المحنة أنستنا أناسًا أفاضل التقيناهم من قبل، فأرسل الله إلينا الذي ينعش الذاكرة برغم الإنسان وطينة البشرية المترامية الأطراف بداخلنا.

لم نلتق إلا ساعات قليلة كأنها ليست من العمر، فوجدتُ فيكم لماحية، وصبرًا، وإصرارًا على نشر الأمل والتفاؤل، أنسانا عميق المحنة، وتبعاتها، وتصرفات أفرادها.

ورغم ما يبقى كله لم أجد في نفسي قدرة على وصفكم بالصديق؛ ذلك لإننا حينما نلتقي بالحياة في أسمى معانيها تُغلقُ أمام أنفسنا وعيوننا وأبواب الروح منا الأسماء والمسميات معًا.

أعرف أن الأرواح جنود مجندة، كما أخبرنا رسولنا العظيم، صلى الله عليه وسلم، ولكنني وجدتُ فيكم بعضًا من روحي تسافر وتبتعد عني، فلا أدري كيف أصف نفسي حين تغادرني؟ فضلًا عن حنيني إليها كل وقت وحين.

ثم تبلغ المتاهة مني مبلغها حينما أزجر نفسي وأمنعها من كثير التواصل معكم، فكيف تبتعد نفس عن نفسها؟

وكيف يمكن للروح أن تصف القرب حينما يتجاوز حدود الزمان ويدنو المكان، رغم بعد الخرائط والواقع في عالمنا؟ وهكذا تدنينا الأيام لتثبت لنا أن المودة والمحبة والقرب ودنو الروح لا دخل لهم جميعًا بالأسباب أو مصالح الدنيا؟

إنني أجد محبة في أقصى شغاف القلب لكم، تدفعني لانتهاز الأسباب لأكتب إليكم، ثم أجد مجاهدة للروح لكي لا تشغلكم عن مسئولياتكم، وما بين هذا وذاك ترفض نفسي كثيرًا أن تتبعني، وأجدها معلقة بكم ولديكم، وفي الوقت نفسه يقصر لفظ الصديق عن وصف المحبة وبالغ تقارب الروح.

فإن ضاقتْ دنيانا عن تكرار اللقاء؛ حينما تود الروح ويتعب القلب من أحداث الحياة، فتهبهما العين بصرها واللسان قمة أجهزة الصوت، فيريدا التحدث إليك والدنو والقرب منك فلا يستطيعا؛ فلا ييأسا من ذلك؛ فإن ضاقت الدنيا ومحنتها بنا وبكم، فعند الله المتسع في والصف واللفظ، والدنو والقرب، وتعانق الأرواح!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد