وصايا العائدين من الموت مباشرةً

بحُكم أنني لا أتقن الشم على وجه يدي أو ظهرها، سأجعل رسالتي عامة وشاملة، هذه الرسالة موجهة إلى كل المصنفين من ذوي سلطة، أو ليسوا ذوي سلطة، وتشمل المغلوبين في معاركهم، ومن لم يشاركوا في معركة من الأصل من شدة انتصارهم على أعدائهم الضعاف، أو معارضيهم ذوي الرقة في أسلوب التعبير، ولكل من يستطيع قراءة هذا الكلام دون الحاجة إلى ترجمة فورية كانت، أو ذات فترة طويلة، لكي تترجم بدقة ومدفوعة الأجر، لك ما هو آت.

السخرية يا عزيزي هي حق وحيد ورخيص يتمتع بقدرته السحرية على تسكين هزائمنا، فإن المرء منا يُولد بثلاث مصائب لا مفر منها، أنه يستطيع وللأسف الشديد فهم هذه اللغة التي هي مأساة هذا الوقت من التاريخ، وأنه لا يمكنه الهجرة نظرًا إلى ما سيتعرض له من تعليم سيئ، وصحة سيئة بدورها، وأفكار رجعية سيعاني من أمر من الأمور لكي يتخلى عنها، وصلات رحم ستركض بذاتها إلى التهلكة مما قد يعرضه بصعوبة قبولة في برنامج من برامج الهجرة، وآخر تلك الأشياء اللعينة التي يُولد بها ذاك الذي يفهم ما أكتبه الأن، هو الوضع السياسي.

منذ أن ولدنا والحرب قائمة ولا تُقام، نعيش في جحور أيامنا طيلة الوقت، لا يعلم أحدنا حقًّا ما هي تلك الساعة التي سينتهي فيها طرفا النزاع عن نزاعهما، ولا نعلم لماذا نشارك في هذا النزاع، ما دام أبي حيًّا وأمي حية، لكنهما تعيسان لا يتمتعان بأي حي، فلماذا أنا أحمل تلك البندقية وما أدخلني أنا وجيلًا كاملًا في ذاك الأمر، وما دمنا يا سادة القُراء – إن كُنت من هؤلاء الواعدين أو المواطنين- مشاركين في تلك الحرب التي لا نعلم عنها شيئًا، لماذا لا يستمع لنا أحد فيها، لماذا دورنا دور العساكر في الشطرنج؟ أن يقتل الواحد منهم تلو الآخر حتى يفدي وزيرًا أو قلعة، أو يجنب الملك خطر الموت.

أقول صراحةً في صبيحة اليوم الذي تقصف فيه غزة، وتُسلم فيه الجولان على سمع وبصر الجميع، إن كان لكل ملك حق التصرف بخطوة واحدة في كل الاتجاهات كي يتجنب الموت، فعلى الأقل إن كان نصيبي من رقعة الشطرنج في هذه الدنيا أن أكون ذاك العسكري الذي لا يتحرك إلا دفعة إلى الأمام أو دفعتين في أول حركاته، يقتل ما يجاوره يمينًا أو يسارًا وبخطوة أمامية، أن يكون لي حتى حق السخرية من الملك، فكلانا لا يملك من أمره إلا خطوة، ولكن أحدنا كُتب عليه المُلك والآخر كُتب عليه الموت.

لكي لا أضيع وقتي في المجاز، إن ما تمارسه السلطات العربية في بلدانها مما تسميه السلطات «الأمور السيادية» من تنظيم الدولة إلى شئون الناس ليس إلا ما يفعله الملك في الشطرنج، وما يفعله العسكري في الشطرنج، أن لا فرق حقيقةً بين الملك والعسكري، كلاهما ذو حركة واحدة، ولكن أحدهم يتحرك من أجل الآخر، وأحدهما يتحرك من أجل نفسه.

وفي وطننا العربي هذا أرى أن جيشنا الأبيض يتألف من جيش كبير من العساكر، هم مواطنو هذا المكان، وملك واحد يتحرك خشية الموت وفقًا لحركة تلك القطعة من الشطرنج على الجهة الأخرى، التي تحاصره قبل أن يُحاصر، تعطيه الخيار بين خطى السلامة، تقول له: «أسلم نفسك عن الموت خُذ خطوتك إلى اليمين» فترى الملك يحمي نفسه يمينًا، وقد أهدى نفسه من الحماية عساكرها، فتجد الشعب العساكر يلتفون يتهاتفون «نفديك بالروح وبالدم».

وإذا ما تحركت القطعة ذات الأمر والنهي فأهديت خطوة النجاة أن يتحرك الملك يسارًا، فتجد اليسار يقيم مأدبة لذاك الملك المُفدى بدم الأحرار، والذي سينحر كل عسكري على يسار دمه على طرف سيف كل القادمين للنيل من هذا الملك ذي الخطوة الواحدة.

والأمر الساخر أن العساكر المنتشرين حول الميمنة، والعساكر المنتشرين حول الميسرة، كلاهما يشعرون دائمًا بأنهم ينتصرون، بينما الحقيقة أن الجهة الأخرى من رقعة الشطرنج هي من تحرك الجميع، الجميع فقط جل ما يفعلونه هو الاحتفاء بأن قليل الحيلة قد طل عليهم بهودجه، وبخطابه المحفوظ عن النصر الذي بات قريبًا أو الوطن العائد من مرضه المعافى من كل أمراضه، العفي بأولاده المُبذلين له.

اليوم حقيقةً أعترف أنني ولدتُ عام 99، لم أشارك في أي انتخابات تسببت في سقوط هضبة الجولان، أو وصول غزة إلى موقفها الحالي، لم أكن مؤيدًا لأي طرف على تلك الرقعة؛ لذلك أنا مشاهد من بعد رقعة الشطرنج، وكل ما أود قوله إن رقعة الشطرنج التي لدينا لديها 22 ملكًا، قابلين للغاية إلى الزيادة إذا استقصينا أمر كل ملك من الملوك، بلا وزراء حقيقيين لأن الوزراء لدينا ليس لهم عمل فعلي سوى أن يوافقوا على ما يمليه عليهم الملك، وليس لدينا فيلة أو أحصنة؛ ذلك لأن أمثال تلك القطع عادةً تكون لدي الجهة ذات المؤسسات من الشطرنج، وأن رقعتنا يا سادتي القُراء لها أكثر من ألف عسكري، جميعهم يركضون كما النمل في أوهامهم.

وأني أرى بعد تسليم أمر الجولان وما يفضي إليه الأمر المُعتاد في قضية غزة تلك، أن الأمر الطيب الوحيد للذين هم غير محسوبين في معارك الشطرنج، الجالسين في الجزء الخاص بالجماهير هو أن خير الأمور التي يجب ممارستها هي السخرية مما يحدث.

ذلك لأن هؤلاء العساكر، شئنا أم أبينا، سيموتون، نعم يموت المواطن العربي في كل يوم لألف سبب، أول تلك الأسباب يكون مُمثله المنتخب، وآخر تلك الأسباب هو حياته، وبين تلك الأسباب هي الجماعات الدينية من دينه نفسه أو دين آخر، حوادث السير التي تحدث بسبب عدم وجود شبكة طرق حقيقية، الأمراض التي تنتقل بسبب الدم، والشجارات اليومية في غياب قوات الأمن لاهتمامه بأمن الملك؛ لذلك أرى أن لا ضرر فعلًا أن يسخر كل عسكري قليلًا حتى يجد بعض السعادة في حياته قبل الموت.

و أن بالفعل لن ترجع السخرية الجولان، ولن ترجع السخرية الحجارة جدران المنازل الكريمة الفقيدة في القطاع، ولن تعيد الفرح إلى قلوب الأطفال، ولن تعيد الضحايا منهم، ولن تصنع أي فارق في حياة الذين فُقدوا من الناس، أو الأرض، أو كرامة كلاهما، لكنني أعلم شيئًا عن الديكتاتور، أن الديكتاتور لا يتحمل ضحكات الضعاف عليه، دعنا نسخر منهم حتى لا يهنأ في فراشه محمود عباس، ولا بشار الأسد، دعنا نسخر منهم حتى يعملوا حقًّا أن الأمر قد مر، وأننا قد هُزمنا، ولكننا بالرغم من ذلك نشهد أنهم الملك الذي تحركه القطعة التي تجعله «يكش» من الجهة الأخرى من الشطرنج من بين 22 قطعة شطرنج جميعها ملوك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد