عزيزي جون بيركنز ,
تحية طيبة و بعد..

 

قرأت كتابك ” الاغتيال الاقتصادي للأمم ” أُحييك على شجاعتك أمام نفسك أولا , فالاعتراف بأمور كهذه ليس سهلا و قليلا من تنتابهم صحوة الضمير.و قبل أي شئ أعرّفك بنفسي .

 

أنا فتاة ولدت في مصر و هي دولة نامية حسب التصنيف المعروف و كل علاقتي بالاقتصاد هو انتمائي لمنظومة تعليمية لا تقدم جديد منذ قرن من الزمان و شغلها الشاغل حاليا هو استنزاف أولياء الأمور و العاملين عليها أيضا و العمل على خطط لإستمرار خضوع هؤلاء لها مثل: الدعاية بإستخدام  أحدث المناهج حتى لو لم تكن ملائمة !و الوعود بتدريب المعلمين على استخدام التكنولوجيا في الصفوف مع إلزامهم بمزيد من الاعمال الورقية ! و الحصول على ترقيات لمجرد توقيع بعض الأوراق !… الخ  و المضحك أن العاملين أنفسهم قد يكونوا أولياء أمور! و هكذا نهلك أنفسنا بأنفسنا .

 

إنه نموذج مصغر لما تفعله الكربوقراطية الأمريكية مع الدول الفقيرة, تعدهم و تمنيّهم و لا تقدم لهم سوى الفتات .حيث تمنح المنظمات المالية الكبرى القروض للدول التي لا تستطيع الاستفادة من مواردها لتنمية بنيتها التحتية و إنشاء محطات الكهرباء أو لحفر آبار البترول , أو لإقامة منشآت عقارية ضخمة , و إنشاء موانئ و مطارات و مناطق صناعية شرط أن تتولى إدارة هذه المشروعات شركات إنشائية و هندسية أمريكية . المهم ألّا يخرج القدر الأكبر من أموال القروض خارج أمريكا, و أن ترد البلاد المستدينة دينها بالإضافة إلى قيمة الفائدة بحيث يستقر  “رطل اللحم” في خزائن البنوك الأمريكية.  و هنا آتساءل إذا لم يبقى هناك لحم لتقطعوا منه من ستنهبون ؟

 

و إذا كانت الهيمنة غايتكم فماذا بعد ؟ هل سيأتي الوقت الذي تدمر فيه الكربوقراطية نفسها ذاتيا ؟ هل يمكن أن تكون مقاومتنا لها سبب قوتها ؟! و إذا كنت تمثّل بعملك كقرصان اقتصادي جزء من تلك المنظومة فكيف أعرف إنك لم تغفل شئ عنها في هذا الكتاب؟ تساؤلات محيرة و لكنها تبعث بالأمل .

 

شرحت في كتابك أن الكربوقراطية أو الشركات و المنظمات المالية الكبرى تبتلع أقواتنا و تستغلنا على نحو سئ و تدفع الدول النامية دفعاً لفخ الاقتراض من البنك الدولي بحجة التنمية و تنشر القيم المادية و الاستهلاكية المتطرفة على حساب قيم التعلم و التوازن و الشفافية ..الخ باستخدام آلتها الإعلامية فتخدعون شعبكم  بنظريات المؤامرة و الإرهاب المترصد بكم بينما تموّلون هؤلاء بطريقة غير مباشرة .

 

تخيّل لو أن هذا التعتيم الإعلامي انقلب ضدكم ! لو أن كل أمريكي اكتشف الدافع الحقيقي وراء “عملكم الوطني “! لو يعرفون  أن نجاح قراصنة الاقتصاد إنما يتوقف على منح قروض كبيرة تعجز الدول عن سدادها فتقبل شروطكم بإنشاء قواعد عسكرية و الهيمنة على مصادر الطاقة و المياه بها. و كلما بقيت تلك الدول تحت الدَين فترة أطول كلما ضمنتم انحيازها الكامل لسياستكم. نعم .. عصر الامبريالية القديم يعود بوجه جديد للسيطرة على العالم إقتصادياً و إعلامياً.و الحقيقة أتفق معك في إننا نحن من نصنع الامبراطوريات عندما نسمح لنظم الحكم الفاسدة و الموالية لكم أن تحكمنا.

 

نحن من نقدم لحمنا لكم على طبق من ذهب لتقطعوا منه أرطالا . قلت في الكتاب ” إننا نعيش في أزمات رهيبة و فرص هائلة ” هل تذكر ثورات الربيع العربي ؟طبقاً لما طرحته من مؤامرات في الكتاب و نظراً لما حدث بعدها – لابد أن ثورتنا أدهشت أجهزتكم المخابراتية في البداية و لابد إنهم استمتعوا حتى النهاية. لقد كانت تلك الثورات فرصتنا لأن نقف و نعترض و نغيّر كما نصحت القراء لكننا لم ننتبه ” إلى المتآمرين المختبئين في الظلال” كما وصفتهم , يبدو إننا لسنا مستعدين لمثل هذه الفرص بعد .

و بينما تسرد حكاياتك في أندونيسيا وبنما و الاكوادور و كيف تستخدمون مفاهيم ” التجارة الحرة و حقوق المستهلك و الحكم الرشيد” لضمان استمراركم كمرجعية للسياسات الاقتصادية و سرقة مزيد من الثروات ,و كيف تنفذ شركات المقاولات و البترول و الطاقة العالمية أفعال مشينة تحت لواء النوايا النبيلة ! فتزيل الغابات و تقيم السدود  و تخرب الأراضي الزراعية و تقدّم المنح و المساعدات باليمين لتنهب  أضعافها باليسار . و لا بأس من حرب هنا وهناك أو تصفية من يعارضكم للحصول على ما تريدون  كقناة بنما مثلا و مصادر المياه و الطاقة في العراق . كل ذلك بإسم الخطط التنموية التي تبالغون في توقعات عوائدها كغواية للإيقاع بالدول النامية. بينما تحكي عن شعورك بالخزي لما فعلته هناك ; أشعر أنا بالخزي لأني لم أفعل شئ لدولة نامية ! و لا شئ يثير الدهشة في كلامك فسيناريو المؤمرات هذا بات معروفاً لأبسط العامة في بلداتنا . ذكرت إنك خابرت الاحساس بالعجز عندما أردت نشر إعترافاتك و لم يسمحوا لك , لكنك لم تجرب مرارة الشعور بالعجز عندما يُسلب منك حق بيّن.

 

الآن و قد صارت أوراق اللعبة مكشوفة للجميع , ما يدهشني حقا هو صفاقة الامبراطورية الكونية و غباء أنظمتنا الحاكمة , الأنانية و الدناءة التي تجمع الطرفين لسحق شعوب بأكملها لا ناقة لها و لا جمل .
كدت أصفق لك و أنت ترسم كيف صنعتم الفرص بعد ما تعلمتم الدرس الذي لقنته لكم دول ” الأوبك ” حينما  أوقفت تصدير البترول في السبعينات. و لمّا كانت السعودية تلعب دور الملّقن لزم التحايل عليها و إغوائها حتى تنسى هذا الدور تماما طيلة أيامها القادمة , و لم يكن هذا صعباً لكنه مختلفاَ .

 

فأمام ضمانكم باستمرار حكم الموالين لكم و الحفاظ على نواقص شعب يتفاخر بكسله ! تنازل الملقّن عن دوره ليصبح مطيّة و يسلّم الجزرة لكم عن طيب خاطر. و كانت الجزرة  هذه المرة إعمار الممكلة السعودية  و إستغلال حلم الحداثة من خلال إنشاء قطاع صناعي يضم صناعة البتروكيماويات و بنية تحتية  تسهل إدارته, و شركات لإستقدام العمالة الخارجية , و إنشاء مرافق عامة و تحويل الصحراء الجرداء إلى مدينة حديثة , و كي تظل المدينة حديثة ينبغي صيانة مرافقها بإستمرار و بأحدث التقنيات التكنولوجية التي لا توجد إلا في شركاتكم بالطبع و هكذا تستمر المطية في الركض وراء الجزرة.
و إتماماً لنصيحتك الأخيرة بأن نواجه أنفسنا و نبحث عن سبب وجودنا و نرقى لمكانة الفاعل بدلا من المفعول به و نسعى لتوضيح المفاهيم المغلوطة أود أن أٌطمئنك , ثمة نفوس لم يصبها بعد عطب اليأس مما يجري حولها , ثمة عقول تفكر فعلا في الخروج من مستنقعات الفساد و هناك سواعد على استعداد أن تبذل في سبيل غاية نبيلة. و أخيراً, أعتذر عن لهجتي القاسية أحيانا و أعِدك أني سأستخدم كلماتي جيداً لخدمة أهدافي و سأبعد أسلوب حياتي عن الاستهلاك الأعمى, و سأفتح قلبي و عقلي للإمكانات المتاحة و سألتزم بخطتي و قيمي الانسانية مهما حدث , حتى إذا سنحت الفرصة كنت مستعدة لها تماماً. استأذنك الآن ,لدي دين كبير علي سداده.

أدعِ لي

قارئ عبر الحدود

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد