إن نضج العقول هو النبتة الوحيدة التي تحتاج دائمًا للرعاية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. رعايةٌ أبديةٌ لا تتوقف ولا تنقطع السبل إلى تلك الرعاية أيضًا كذلك.. ولا شك في أن لكل مرحلة مستوى فكريًا خاصًا بها يتفاعل معها ويعبر عنها، ولكن العجيب هو أن العقل في كل مرحلةٍ منها يكون على يقينٍ تامٍ بأن رؤيته التي يشكّلها عن الأشياء، فإنها تمام الدراية والإحاطة بالشيء.. حتى إذا ما بلغ مرحلةً أعمق وأرقى من سابقتها فيدرك أنه ما كان يعلم إلا قليلًا جدًا عن هذا الشيء، بل ربما يدرك أنه لم يكن يعلم قط.

في مقتبل العمر، حينما كانت أيامي تنعم بنقاء الأطفال وصفاء أذهانهم، لم يكن لعقلى انشغالٌ بالحياة ومصاعبها التي تدهس الناس من بكور النهار حتى حلول الليل، ولكن كانت لمداركي اهتماماتها الخاصة، كنت أجلس كثيرًا وأفكر في أمور تجول في أركان عقلى مرارًا وتكرارًا.. وقتها لم أكن أعلم حقيقةً أهي أمور معقدة كانت تستحق أن تنال هذا التفكير مني أم لا، لكن ما أذكره وقتها أنها كانت معضلات حقيقية وطلاسم مستعصية بالنسبة إليّ.. كان عقلي الضحلة معلوماته يجيب عن بعض تلك الأمور، ولكن أدركت فيما بعد أن تلك الإجابات ما هي إلا لونٌ مما نسميه ”الفهلوة المصرية” والبعض الآخر كنت أنتظر إجابته عندما أكبر مثل والدي الذي كلما سألته عن أحدها، وما أكاد أفرغ من إتمام سؤالي فتصدر من شفتيه تلك الابتسامة الصامتة التي تنم عن خبرة الكبار، ودرايتهم بأشياء لم يشأ الله لنا أن نعلمها بعد.

من بين هذه الأمور كان هناك ذاك الإلحاح الذي يقرع كل أبواب خيالي، حينما كنت أجلس كل يوم في المساء ناظرًا إلى ذاك الوميض الساطع الذي يعمر أرجاء الكون قادمًا من القمر، كنت أتعجب كثيرًا! هل هناك كهرباء تجعله يضيء هكذا؟ هل أستطيع أن أصل إليه وألمسه يوما ما؟ أم أنه فقط ضيف كريم يأتي إلينا بفيض من عطاياه المضيئة ينثرها على هؤلاء البشر! وإن كان كريمًا هكذا! فلماذا يغادر ولا يستمر دائمًا؟

لم يكن لي نصيب من العلم لأعرف إجابات لتلك الأسئلة السابقة، حتى إن شاء الله لعقلي الصغير أن يتسع شيئًا فشيئًا، وعلمت فيما بعد أن كل هذا الضياء الساطع والجمال الخلاب الذي يملأ الأرض ليلًا ليس بفعل القمر، وإنما _ بأمر من الله _ ما هو إلا هبة تمنحها الشمس المعطاءة لذاك القمر المعتم، وبدوره يمنحه إلينا، بينما هي تقوم بأداء قانون العدل الإلهي في إضاءة النصف الآخر من الكرة الأرضية بعدما فرغت من أداء مهمتها في نصفنا.

وحرىٌ بكل من يقرأ مقالي هذا أن يعلم بأن اكتراثي بشأن هذه القضية الآن ليس لأني أصبحت عالمًا في أمور الفضاء أو أعد الأبحاث في هذا الصدد، ولكن حين النظر في هذه الظاهرة الكونية العظيمة بنظرة فلسفية عميقة قليلًا، أردت بها فقط أن أوثق رسالة إلى زوجتى المستقبلية وأم أبنائي إن شاء الله.

عاشقة الورد! إنك تلك الشمس التي أعنيها، أدرك تمامًا أن أعباءك لن تكون بالقليلة! ولكن ما أريدك أن تعلميه أن كل ما أبذله من جهد في هذه الحياة سيظل معتمًا حتى تغمريني بدعمك الساطع الذي يجعل تلك الجهود تضيء.

إننى لا أعلم متى يأذن الله لنا ونلتقى أشاطرك الحديث يومًا في مكان هادئ بعيد عن ضوضاء هذا العالم، ولكن كل ما أعلمه أن الابتعاد عن رؤياكِ ليس بأمرٍ يسيرٍ، ربما لو كان للعيون فلوجستين خاص بها ستقسم عيناي أنه النظر إليك، قلبي الغارق لا ينجو من بحور حنينه إليك إلا بك، حنين لا ينجلي ولا يزول، هل أصبح قلبي أسير حبك؟ مريضًا؟ ربما، لكنه مرضٌ لو تذوقه غيري لدعى الله مثلي الآن بألا يتم شفاؤه منه أبدًا.

إن وجودك بالنسبة إلىّ لا يكمن في محض كونك امرأة تقضي سنوات من عمرها في دوامة من الروتين المدقع كعادة النساء في مجتمعاتنا الشرقية، بل أريدك تلك الفتاة التي تسير معي إلى حيث ينتهي بنا مطاف أحلامنا، إلى مصير لا نعلم هل سيتحقق أم لا، لكن يكفيني فقط أن نسير معًا، أريدك فتاةً تضيء دربي كلما أظلم، شمسًا ساطعةً تنير عتمتى.

 يا عاشقة الورد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد