أحمد الصالح 29
أحمد الصالح 29

رسالة أخطها اليوم للمجاهدين الثائرين في الغوطة الشرقية على وجه الخصوص، وإن كان في الكلام ما يصلح أن يكون شاملًا عامًا متجاوزًا لخصوصية السبب الذي كُتب من أجله، فأقول لإخواننا وتيجان رؤوسنا في الغوطة:

لا يمكن أن تُدار عجلة الثورة ضد الظلم بعقلية «ننتصر أو نُهزم»، فهذه العقلية ليست عقلية جهادية محضة، فثقافة الهزيمة لا توجد إلا في قاموس الدنيويين ممن تعلقت أرواحهم بأسباب الحياة، وصار مدار فكرهم حول المعيشة وتدبير أمورها.

إن المجاهد الثائر لا يرى الشرّ شرًّا بل أمره كله خير، ولا يمكن أن يتسلل إلى قلبه أو عقله الوهن والضعف، فالعدو لا يتربص بنا إلا إحدى الحُسنيين: إما نصرٌ من الله وفتح واستخلاف في الأرض وتمكين، أو اصطفاء إلى الجنة وشهادة وكرامة. فالموت في سبيل قضيتنا ليس هزيمة إنما هو نصر بطعم آخر، هو نصر في فقه المعاملة مع الله، وربح في التجارة مع الخالق البارئ جل جلاله.

– يقول الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ». (التوبة: ١١١)

– عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يبرح هذا الدين قائمًا يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة». رواه مسلم

فالمعادلة الصحيحة لفهم حقيقة الجهاد في سبيل الله والمستضعفين في الأرض لا تلغي فكرة الموت على هذا السبيل، بل إن الموت مظانّ الصادقين وغاية مناهم أكثر من النصر ذاته، فلو عدنا إلى تاريخ الصحابي الجليل خالد بن الوليد -رضي الله عنه- فقد رزقه الله الحسنى الثانية دون الأولى، فكان ينتصر في كل معركة يخوضها ضد الأعداء، وينال جيشه الرفعة والعزة كلما غزا فيهم أرض كفر، ومع ذلك فقد قال قوله المشهور من على فراش الموت في حمص إذ قال: «لقد شهدت مائة زحف أو نحوها وما في بدني موضع شبرٍ إلّا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية، وهـا أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء! وما لي من عملٍ أرجى من لا إله إلا الله وأنا متترِّس بها».

فالأذى في الله والشدة والضيق والامتحان؛ بل وحتى الأسر والتعذيب والموت ليست خارج المألوف لمن سلك طريق مقارعة الظالمين، فلا سبيل لنا لقتال أعدائنا بقوة سلاح أو مزيد عديد من المقاتلين، ولا نملك من الخبرات العسكرية ما يفوق عدونا، إنما نملك مفتاح السر في المواجهة بين الحق والباطل، ونمتلك بيضة القبان في ميزان الصراع بين الجور والحقد وبين العدل والإنصاف، ألا إن ما نملكه هو ما قاله سيف الله المسلول، وإني أستأنس بذكر آثار خالد بن الوليد لما يعنيه هذا الرمز العظيم لحمص وسوريا عمومًا، وما يعنيه كقامة جهادية، فهو الذي صرح قبل مئات السنين وأفشى سر انتصاراته فقال في معرض رسالته لملك فارس:

 «لقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة».

وليس ببعيد عن متناول الباحثين ما قاله الإمام المجدد ابن تيمية -رحمه الله- وهو الشامي ابن حرّان، والذي هاجر إلى دمشق وجاهد فيها، فقد قال:

ما يفعل أعدائي بي؟ إن جنتي وبستاني في صدري. إن قتلي شهادة، وسجني خلوة، ونفيي سياحة.

إذًا هذه هي المعادلة الصحيحة، فلا جزع من الأذى الذي نؤذى به، ولا حزن على ارتقاء الشهداء، ولا سبيل للهزيمة، فنحن بين خياري الاصطفاء إلى السماء، أو الاستخلاف في الأرض، وكلاهما نصر، والعاقبة للمتقين.

#غوطتنا_منصورة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك