مولاي لم تهبني يومًا حسن البيان في التعبير عن ذاتي شفاهة مثلما وهبتني تلك القدرة كتابة، لذا أخاطبك اليوم بالطريقة المثلى التي وهبتني إياها لأفصح، أن أكتب:

عن الأسئلة

مولاي لدينا الإجابات سلعة رائجة، نتعلم منذ الصغر الإجابة النموذجية التي تصلح لأي سؤال، نتعلم مقدمة وخاتمة تصلح لأي موضوع تعبير، لا نحب الأسئلة ولا نألفها ربما لما تثيره داخلنا من الحيرة فالسؤال يقود لألف سؤال، ولدت مسلمًا ومثلما هي نعمة فهي تحوي داخلها نقمة الاعتياد، لأن إسلامي تعاليم موروثة، علمت دومًا أن ولادتي مسلم لا تشفع لي في أني لا بد أن أملك رحلتي الخاصة وأمر باختباراتك التي سأعلم من خلالها هل أنا مسلم اختيارًا أو ما ألفيت عليه آبائي وأجدادي وهي حجة الكفار الأثيرة.

ولد البعض مثلي مسلمين ولم يمنعهم ذلك من السير في الأرض بحثًا عنك في الفلوات والبعض أفنى نفسه في التعبد لتلبسه من نورك في الخلوات، خفت من فرعون الذي شعر بك حقًّا في السكرات.

لم أتجاوز بعد مرحلة كوني مسلمًا بالوراثة وتعاليم الإسلام أعراف وتقاليد ورثتها كثقافة أغلبية، لا أعلم بعد ما تخبئه لي من اختبارات فأنا موقن أني كغيري سيتم اختبار كل ما أدعي أنني أؤمن به يومًا، تمامًا كما قلت في كتابك: “وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ”، أعلم أني أحفظ إجابات كثيرة عنك لكني لم أسأل الأسئلة الصحيحة، لم يطمئن قلبي كما حدث لإبراهيم عليه السلام بعد أن سأل، ربي خلقت الدنيا كلها وأنت تعلم ما سيحدث وأشهدتنا عليك وعلى أنفسنا في عالم الذر ولما سألك الملائكة قلت: “إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ”، أنت تملك الإجابة ولا أملك سوى السؤال، فهو المخلوق الوحيد الذي سيقودني لك، بعيدًا عن حفظ إجابات لأسئلة سألها غيري.

 

أتمنى أن تنعم علي بالإشارات، أن أضبط نفسي يومًا متلبسًا في حال خارج حالي، أن أفكر فيك وأتوق لك بعيدًا عن نفسي، أن أخرج من نفسي لك دون أن أطمع في أمنية أو أستعيذ بك من أذى.

 

 

 
لا أتصور أن رقيب وعتيد يكتبا كل شيء، وأنهما صاحباني في لحظاتي السوداء وخواطري المخزية، قد كتبوها جميعًا لك وربما كتبوا معها شعوري بك قريبًا مع تلاوة العجمي لسورة ق، وفزعي كلما قال: “لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ”.

 

 
ذاك الحاجز الثقيل بين عالم الغفلة وعالم أشهدك فيه كما أرى وجه أمي كل صباح، تؤرقني دومًا فكرة الحقيقة والاعتياد، أنا صلواتي معتادة ودعائي وترديدي للأوراد ترديد غافل لا يؤمن بكل كلمة من الدعاء قدر إيمانه بأن تلك الأدعية بها قوة ما قد تجعل يومي أفضل، ألهمني ربي إشارات تنقلني من عالم الاعتياد لعالم أشهد فيه كل ذلك حقًّا.

عن التجربة

ربي أنا أخشى التجربة بشدة، لسان حالي يقول: “اللهم لا تدخلنا في تجربة ونجنا من الشرير”، عالمي بدأ بتجربة آدم للخطأ ومن هذا الخطأ بدأت الدراما ولم تنتهِ، أعتقد أن الشر هو طريقتك في تمحيص ما في قلوبنا وتبيان قدرتنا على الاختيار بينه وبين الخير، فبدون الشر سنصير كلنا أتقياء. وبدون إغراء الطرق المختصرة لن يحترم الناس من خاض الطريق كاملًا، والتجربة هي الفيصل. لن أعلم طريقك حتى أجرب كل الطرق.

 

لذا خذ بيدي خارج مربعي الآمن وضمد جراحي عقب كل تجربة واجبر كسوري حتى أقترب منك أكثر في التجربة الجديدة، تقول إنك لدى المساكين والمنكسرة قلوبهم، ربما لأن هؤلاء من خاضوا التجارب وخرجوا مما ألفوا عليه آباءهم، ربما هؤلاء من استجابوا لما أقمتهم فيه بالفرار إليك، ربما لن تشعرني بقربك حتى أمر بتجاربي وأسير حثيثًا لك وأنفق من أماني وسكوني “لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ”.

عن أنفسنا وعن نفسك

ربي قديمًا قرأت أن اعرف نفسك تعرف الله وأحيانًا اعرف الله تعرف نفسك، أدركت وقتها أن كلا العبارتين صحيح، كثير من عبادك يتحدثون باسمك، كثير تموج صدورهم بالغضب والضيق والشر فيسيل لعابهم وهم يصرخون متوعدين بما سيفعله إلههم الغاضب الشرير، وكثير تموج صدورهم بالطمع فيتحدثون عن إلههم النفعي الانتهازي، كثيرون ظنوا أنهم يتحدثون عنك لكنهم يتحدثون عن أنفسهم “أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ”، قد لا أعرفك جيدًا لكني أعرف بالتأكيد نسخك المزيفة، أعرف بالتأكيد من يتحدثون عن أنفسهم ويختمون عباراتهم بإمضاء الله، لذا فهمت تلك العبارة جيدًا، لو عرفناك حق معرفتك سنعرف قدرنا وسنعرف من نحن جوارك، ولو عرفنا أنفسنا وما يموج بها حقًّا سنعرف أي مقام أعظم أنت وسننزهك عن هواجسنا.

عن الصدق

“وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ” أعلم أن الناس اختباري الصعب، أشد فتنة تعرض لها كل إنسان هو أن يعيش مع غيره، كل فرد هو دراما من الآمال والمخاوف وصراع بين جانبه المظلم والمضيء، كل هذا يعتمل بداخله فيقابل شخص آخر بداخله تلك الدراما فثالث ورابع، وبحروبنا الداخلية وبأفعالنا الخارجية تكون الدنيا، لا فوز فيها إلا لمن أتي الله بقلب سليم، لمن نجح في أن يخرج من معترك البشر بقلب يفعل الشيء لله ويصدق، لذا لم يحدثنا رسولك عن الصدق وحسب بل وتحري الصدق.

 

 
عشقت دومًا أي فعل صادق مبرأ من الرغبة في إرضاء الخلق أو إرضاء شهوة النفس في الظهور أو التشفي أو إشباع الهوي، “عمر بن الخطاب” ظل يتردد على “حذيفة بن اليمان” كاتم أسرار الرسول ص المؤتمن على أسماء المنافقين، كان عمر يبكي ويسأله إن كان اسمه من المنافقين ولم يرتح حتى أخبره أنه ليس منهم، “أبو بكر” يبكي ويقول إنه لا يأمن مكرالله أن تطأ قدمه اليمنى الجنة ويظل من أهل النار، “علي بن أبي طالب” يشيح وجهه عن كافر بصق عليه في المعركة ولا يقتله ويعلل ذلك أنه لو قتله سيكون لنفسه لا لله، وقع الثلاثة في عشق الصدق والفعل القادم من قلب سليم لله وامتلأت نفوسهم بالخوف من أن يعيشوا في خديعة إرضاء الناس وإرضاء هوى الذات ظنًّا أنهم يرضون الله، ربي ألهمني الصدق وآمنني من فساد فطرتي بالناس.

بدأت الحياة بحيوان منوي مثابر، لا يسأم وخلفه قطيع من أقرانه اللاهثين، الأضعف والأقل أملًا وتضاعفت المسافة حتى وصل الأول ومات كل القطيع من حوله، هذا الحيوان وصل وأدى رسالته لأكون أنا وأتكون جنينًا، أشعر أني لن أصل إليك إلا بتقليده بمفارقة الأغلبية، بمفارقة كل الإجابات المعتادة وكل التلقين الموروث فالقلب لا يصدق إلا ما اختبره وليس ما علمه خبرًا.

أشعر أن الوصول إليك بطرح الأسئلة الصحيحة وليس بحفظ الإجابات الفصيحة، أشعر أن الوصول إليك بتجربتي لا بالمزايدة على تجارب غيري ومحاكمتها أو بتمثلها تقليدًا، أشعر أن الوصول إليك بمراقبة هواجسي وما يعتمل بنفسي وأن أنزهك عنها فلا أضيف بذلك نسخة مزيفة جديدة منك، أشعر أن الوصول إليك لن يكون إلا بقلب سليم، سليم من الإجابات الموروثة وزهد التجربة وإعجاب النفس وفتنة إرضاء الناس خوفًا وطمعًا.

مولاي أنشر رسالتي، عل غيري أراد أن يحكي لك بعضًا من جنس ما كتبت، ربما جعلتني إشارة لطيفة في حياة البعض وأجريت على لسان رسالتي رسائلك لرفاقي من الخلق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد