بضعة أيام مرت على ما سمي بالزلزال السياسي، تمت أثناءه إقالة العديد من الوجوه البارزة والمألوفة في الساحة السياسية المغربية، والتي ظل أغلبها في المشهد لسنوات عدة، وبعد هذه الحادثة مباشرة تسارعت وتيرة التعليقات على الموضوع بين من يؤيد الخطوة ومن يعارضها، وبين تعليقات تغلب عليها الدعابة والسخرية تارة، وتساؤلات جدية ومعقولة ومنطقية تارة أخرى، لكنني – ومعي كثيرون – أعتقد أن السؤال الذي يكتسي أهمية بالغة، ويحتاج إلى إجابة صريحة في الوقت الراهن، هو: من سيتولى المهمة؟ وهل سيكون عند حسن الظن؟

لا يخفى على أحد أننا مللنا المسرحيات الهزلية التي يضج بها الميدان السياسي بالمغرب، وأننا سئمنا شخصيات حفظنا أسماءها وألقابها ووجوهها؛ لكثرة ظهورها عند كل كارثة (أو عدم ظهورها أيضًا)، شخصيات ظلت حاضرة بأسمائها وأجسادها لسنين متوالية، لكنها لم تقدم شيئًا لدولة ووطن في أمس الحاجة إلى مشاريع تنموية من طراز عالٍ، وإصلاحات كبيرة في قطاعات عدة لا تزال إلى اليوم تعاني الويلات ساعة بعد أخرى.

إنني أرى أن الزلزال السياسي، بقدر ما طمأن الكثير من المغاربة ومدهم بجرعة من الأمل كانت مفتقدة طوال الوقت، جرعة أحيت فيهم أحلام النهضة والتطور والإصلاح لمواكبة العصر ومسايرة كبريات الدول، فإنه يجر أيضًا إلى وقفة مع الذات، وقفة نستحضر فيها العديد من التساؤلات التي لا مناص منها، من قبيل: هل نحن مستعدون لتولي المسؤولية في يوم من الأيام؟ وهل سنؤديها كما أردنا أن يؤديها من كانوا هناك قبل الزلزال السياسي، ولم يفعلوا؟

في السنوات القليلة القادمة، بزلزال سياسي آخر أو بدونه، لا بد أن أحدًا منكم أيها القراء، أو – على الأقل – أحدًا من جيلكم، سيجد نفسه في منصب حكومي أو برلماني أو حزبي.. وهناك سيتضح العديد من الأشياء الهامة، أولها مدى الصدق في الشعارات والمزاعم والاتهامات والشكاوى التي كانت توجه بصوت عال وبدون رحمة للطبقة الحاكمة.. وسيتبين كذلك مدى الاستعداد لأخد زمام المبادرة وعنان المسؤولية، أم أن التراجع والتخلف عنها سيكون الحليف مجددًا.

إننا اليوم نعيش أواخر أيام هذا الجيل، وبداية أيام جيلنا، الأول ماضيه ومستقبله وحاضره وراءه، أما نحن فأمامنا الحاضر والمستقبل، وكلنا أمل في أن يكون أفضل من ذي قبل، فمن البدهي أن ترميم الماضي والبكاء عليه لا يساوي شيئًا أمام الرغبة في استغلال الحاضر والمستقبل بطريقة أمثل.

ومما لا شك فيه أن أكبر ثروة قد تمتلكها أمة هي أفرادها، فهم وحدهم القادرون، إما على النهوض بها للمعالي، أو جرها إلى مؤخرة الأمم والحضارات، ولا أقول هذا من قبيل المجاملة، أو لإعطاء جرعة من التفاؤل التي تختفي على الفور، إنما أقوله لأن الواقع أثبت ذلك في الكثير من البلدان، وأشهرها اليابان التي، وبعد الحرب العالمية الطاحنة، تمكنت، وبفضل جهود المواطن الياباني، من اعتلاء المراتب الأولى على الصعيد العالمي في المجالات الاقتصادية والعلمية والتقنية وغيرها، بالرغم من الضعف الذي تعرفه في الموارد الطبيعية.

إننا مسؤولون عن مصير مجتمعنا، ولا بد أن نعي هذه المسؤولية جيدًا، وأن نتحملها كما يجب، كل من منصبه وموقعه الخاص، ولا سبيل للهروب منها، أو مراوغتها كما ظللنا نفعل في الكثير من الأحيان، وإذا كان جيلنا يتذمر مما آلت إليه الأوضاع بسبب هفوات الجيل الذي قبلنا، مقصودة كانت أو غير مقصودة، فإننا لا نريد أن نكون كابوسًا مرعبا للجيل الذي سيأتي بعدنا؛ لأننا نحن من سيتولى مسؤولية تمهيد الطريق له، طريق نحن من سنحدد أين سيؤدي.

رسالتي هي مجرد رسالة بسيطة من مواطن مغربي عادي، إلى نفسه وإلى أبناء جيله، إنسان يؤمن بقدرة جيله على إنقاذ بلده وأمته من براثن الركود والتخلف وقيادتها إلى قمم الشموخ والريادة في مختلف المجالات، ولا يشك أبدًا في قدراتهم الجبارة في صنع المستحيل، قدرات اتضحت له في الكثير من أبناء الوطن الذين قابلهم في حياته، ولطالما أحيوا في نفسه الأمل في مستقبل أفضل، رسالتي هذه شعارها الصدق مع النفس والوطن، وفحواها الجد والمثابرة من الآن؛ لأننا في القريب العاجل سنتولى أيضًا تلك المناصب التي طالما كرهنا أصحابها بسبب سوء تدبيرهم وتسييرهم لشؤون الوطن، ورميناهم بوابل من الانتقاذات والشتائم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد