(1)

أصدقائي الأعزاء القدماء!

«أخاطبكم بصفتكم، وليس بأسمائكم، فالأسماء لا تهم، فهي لكم ولكل صديق مثلكم مساو لكم في المقدار والاتجاه». تحية طيبة،

(2)

أكتب إليكم اليوم لعدة أسباب، لا لأقنعكم بشيء؛ فقد غادر هذا القطار محطتكم منذ زمن بعيد، ولا لأقيم عليكم حجة؛ فقد أقيمت عليكم الآلاف، ولكن أكتب إليكم لسببين فقط:

  • لأزيل أسطورة في رؤوسكم.
  • لأحدثكم عن مشكلة عندي، أعلم أن أمري لم يعد يهم بعضكم، لكن من باب استعادة الأيام الخوالي، حين كنت أحدثكم عن مشاكلي وتحدثونني عن مشاكلكم.

 

(3)

أصدقائي القدماء!

نعم لقد تقطعت بنا السبل بعد الإعصار الذي ضرب مصر منذ 3 يوليو، يمكنكم بالطبع أن تضعوا من وجهة نظركم نقطة بداية أخرى تناسب رؤاكم، يمكنكم مثلًا أن تقولوا إن الشرخ بيننا بدأ منذ أواسط 2011م، يمكنكم أن تقولوا إن الشرخ عمقه حكم مرسي وطمع الإخوان وغير ذلك، يمكنكم أن تقولوا إن الشرخ بيننا عمقه تباين الآراء واختلاف المصالح! قولوا ما شئتم، حقكم أن تقولوا، وحقكم أن تجادلوا عن أنفسكم، وفي الدنيا أهون الجدالين وأسهلهما،ولكن،كل ما ذكرتموه ـ أصدقائي القدماء ـ غير صحيح.

 

(4)

أصدقائي القدماء!

تعالوا أولًا نتذكر كيف كانت صداقتنا، كيف كانت أخوتنا، كيف كانت مودتنا، كنا كالرجل وظله، لا نكاد نفترق في الجامعة، وكانوا يحسدوننا على ذلك،أتذكرون؟

ولعل عين الحاسد أصابتنا بعد عشرين سنة، إن العين لتدخل الجمل القدر، والرجل القبر، كما أخبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أفلا تدخل الصداقة القفر!

وكنا دومًا متباينين في الآراء، دون أن يفسد ذلك أبدًا للود قضية، كانوا يحسدوننا ـ أو يغبطوننا سمها ما شئت ـ على أمرين: على تلازمنا، وعلى اهتماماتنا المختلفة، كنا نتحاور كثيرًا ومطولًا في كل شيء، لم نكن نضيع وقتنا في (الإستيميشن) ولا الهراء، صحيح أن لقاءاتنا أيضًا لم تخل من الترفيه، كنا نخرج ونذهب للسينما ونمرح، لكننا كنا محسودين حتى على هذا التوازن.

وحتى بعد الجامعة وتفرقنا في الحياة ظللنا على تواصل لا بأس به، وظل اختلاف الرؤى لا تفسد أبدًا للود قضية، وظلت اهتماماتنا تثير عجب الأصدقاء الآخرين.

ولكن،

 

(5)

طرأ على كثير منكم يا أصدقائي طارئات لم أتبينها في وقتها، وعندما كنت ألمسها كنت أبعد يدي خشية أن أجرحكم، كنت أرى بعضكم يصعد في عمله وكنت أفرح الناس لذلك، لكني كنت أراه كلما تصعد يقسو قلبه على من تحته، ولا يرى ألا مصالح رؤسائه ومن يمثلهم، دون مصالح مرءوسيه، كانت تمتد نقاشاتنا مع هؤلاء الأصدقاء كالمعتاد، وكنت منها ألاحظ أن معايير الظلم والعدل نسبية! كانوا يسوغون الظلم ببساطة من أجل المصلحة! رأيت بذور الظلم، وهي تلقي في صدورهم، رأيتها في كثير من نقاشاتنا، ونبهتهم إليها في وقتها، ولكن كان تنبيهًا حانيًا، لا يستأصل ظلمًا، ولا ينتزع نبتته من تربة النفس.

 

(6)

وأعترف أنني وقتها أخطأت في حقكم يا أصدقائي، كان يجب علي أن أشتد عليكم وقتها؛ لعلي أنتزع تلك البذرة في صدركم قبل أن تنبت، أو أنتزع النبتة قبل أن تقوى جذورها في نفوسكم، لكنني خشيت أن أشتد عليكم فتتأثر صداقتنا، سامحوني يا أصدقائي، أنا أول من جنى عليكم وأعترف اعترافًا متأخرًا، وكثيرًا ما أعاتب نفسي الآن، وأقولها الآن لكل واحد من هؤلاء: لعلي يا صديقي لو اشتددت عليك وقتها لكنت قومت هذا الأمر في شخصيتك، ربما، وما كانت صداقتنا لتتأثر بفداحة، على الأقل ما كانت لتتأثر كما يحدث الآن، لكنني يا صديقي خشيت على صداقتنا، والله كان أحق أن أخشاه، نبهتك حانيًا، وكأنني أبرئ ذمتي، وأقول الآن إنني لم أبرئ ذمتي! خشيت سخطك وكان الله أحق أن أخشاه، هل أقول أرضيتك بسخط الله، لا أعرف، لكن إن كنت وصلت لهذه الدرجة، وإن كان كتمان رد الفعل الصحيح هو من أبوابها فقد وقعت في ذلك، وعليه فيجب أن أرى أن ما وصلت إليه صداقتنا الآن ربما يرجع لخطيئتي الأولى حين لم أقم بدوري وأقومك في وقتها، وها أنا ذا أدفع الثمن، ولعلي لو فعلت وقتها لنجوت بصداقتنا الى اليوم، لكنني لم أفعل، وها هي الصداقة التي حاولت الحفاظ عليها بالتراخي عن الحق وقت وجوب إظهاره تصل إلى ما وصلت إليه من التداعي، وصدق رسول الله  صلى الله عليه وسلم: «من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عليه وأرضى عليه الناس».

اللهم توبة، ومن توبتي يا صديقي أنني حاولت معك وأصررت هذه المرة أن أقومك، ولو بالشدة، كما سيتبين في الفقرات التالية، ولكن هيهات، نبتة الظلم التي كانت بذرة رأيتها وهي في باطن صدرك لما تنبت بعد، ولو مددت يدي لأنتزعتها، لكنني هبتك وكان الله أحق أن أهابه فيك، ثم رأيتها نبته صغيرة فاستصعبت أو تكاسلت أو تهيبت أن أنتزعها، وقد صعب انتزاعها، ثم تفرقت بنا الآراضين، ذهبت أنا مشرقًا ومغربًا ومكثت أنت مع نبتتك تداريها عني حين نلتقي، وقد تباعدت اللقاءات، إلا عبر الورق والمقالات، وهي بطبيعتها رسائل ليس بالضرورة أن ترد! شكل تباعد المكان سورًا حجب عني نبتتك التي ظننتها على حالها، نبتة!

هل أعذر أنه لم يحدث موقف محدد منك فيه ظلم جلي، وإنما كانت رؤى ولوائح ترسخ للظلم، دون أن أعرف حالة ظلم معينة أوقعتها تسمح لي بأن أشتد عليك، هل يصلح ذلك عذر لي أمام الله، لا أعلم، حقًا لا أعلم، لكن يوم الحساب طويل، يوم يتحدث الله عن أحد مشاهده فيقول: «الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ».

 

(7)

أصدقائي القدماء!

وفي أواخر عهد مبارك، وعندما كنا نلتقي، وكان يتشعب بيننا الحديث كالمعتاد كانت تتباين آراؤنا كثيرًا كالمعتاد، وكنت أدخل إلى واحتكم الفكرية فأجد سورًا يحجب عني جزءً من أفكاركم، هو ذاته السور، بدأتم تحجبون عني بعضًا من رؤاكم، بدأتم تتهيبونني كما أتهيبكم، أو تحافظون بالمداراة على صداقتي كما أفعل، أيام الجامعة كان كل شيء مطروحًا للنقاش، لكن الآن هناك سور، لكنني بين فجواته رأيت نبتتكم تكبر!

في أواخر عهد مبارك كان أغلب المصريين ناقمين على حكومة رجال الأعمال، حيث الزواج بين السلطة والثروة وصل لدرجة الامتزاج والتماهي، فأصبح رجال الأعمال مثل منصور والمغربي وغيرهم هم ذاتهم الوزراء! وفي هذا تضارب المصالح في أقسى صوره وأبواب فساد مشرعة على مصاريعها، ووجدتكم مسايرين ومحبذين، وسجلت اعتراضي وتحفظي المعتاد، وسكت.

 

(8)

ولما قامت الثورة يا أصدقائي لم يشارك معظمكم فيها، وظللتم طوال أيامها ترون أنه ليس من اللائق إخراج حسني مبارك من منصبه بهذه الطريقة، في الوقت الذي كان أول هتاف أسمعه في الساعة الثانية يوم 25 يناير 2011م هو: «يسقط يسقط حسني مبارك»، «يا مبارك يا مبارك الطيارة في انتظارك»، «يا محمد قول ليونس .. بكره مصر تحصل تونس».

ويأتي استفتاء 19 مارس، وأجدكم فجأة أصبحتم يا أصدقائي على يسار الثوار! وأصبحتم فجأة ـ وكثيرون معكم لم يشاركوا في الثورة ـ من المزايدين على الذين يقولون الانتخابات أولًا! ثم صرحتم لي بمخاوفكم من سيطرة الإسلاميين! ثم أصبحتم أكثر صراحة فقلتم: «ما دام فيه تورتة بتتقسم، يبقى لازم لنا نصيب فيها»!

 

وقلت لمن رأى هذا الرأي منكم وقتها: هؤلاء الذين خرجوا في 25 يناير لم يكن في ذهنهم «تورتة» تقسم، وعلى كل حال، ففي النظام الديموقراطي الشعب هو الذي بيده التقسيم، والأحزاب الليبرالية حصلت على ثلث المقاعد، فقلتم إن هذا لا يكفي! وأن جميع المناصب يجب أن تقسم، وليس تبعًا لنتائج الانتخابات التي تأتي بالإسلاميين الذين يضحكون على الجهلة «من وجهة نظركم»، لكن المقاعد يجب أن تقسم بالتراضي والتوافق! وتبعًا للمشاركة الثورية!

 

ثم يأتي عهد أول رئيس منتخب بعد الثورة التي ادعيتهم أنكم شاركتم فيها! فكرهتموه، وكنتم تفضلون عليه عدو الثورة! وحتى وقتها كان يسعنا النقاش والاختلاف برحابة صدر، ثم جاءت نتائج استفتاء الدستور رغم كل الحملة الإعلامية الرهيبة عليه؛ لتشكل صدمة لأصدقائي القدماء وتيارهم، فالشعب مازال يؤيد التيار السياسي الخصم، رغم كل الحملات الإعلامية الرهيبة والإنفاق الجنوني وآلاف الشائعات منوا مرة أخرى بالهزيمة، وعندها كان قرار ذلك التيار السياسي واضحًا: لتذهب الديموقراطية إلى الحجيم! وليذهب رأي الشعب إلى الجحيم، وقالوها حتى من قبل الاستفتاء، تخيل تيارًا سياسيًا يحتكم لصندوق الانتخابات، ويقول في ذات الوقت: لو جاءت النتائج بـ«نعم» فلن نلتفت لها، وسنعمل على إسقاطها! يتحدون إرادة الشعب في أصرح صورة، وأفجر عبارة، ثم يدعون لاحقًا أنهم يمتثلون لإرادة الشعب!

 

كان قرارهم «قراركم يا أصدقائي»: لنتحالف مع الشيطان؛ في مقابل إسقاط الخصوم، وبدأتم في استدعاء العسكر ليلًا ونهارًا، وجهرًا وسرًا، وإغوائهم للتدخل، مهما كانت النتائج، لم يهمكم أن ينكب الوطن، لم يهمكم أن توأد التجربة الديموقراطية، لم يهمكم عودة عقارب الساعة للوراء، بل حتى لم يسألوا أنفسهم عما سيتبقى لهم من «التورتة» إن أخذها العسكر!

ملأكم الحسد والحقد، وأصبح همكم زوال النعمة من يد خصومكم، ولو لم تذهب إليكم، كان بإمكانكم أن تراهنوا على الانتخابات التالية التي كانت على الأبواب، ربما حصلتم على قدر أكبر من الكعكة، أو ربما حصدتم أغلبها، لكنكم كنتم تعلمون أن الشعب لا يثق فيكم، ولا أنتم تثقون في الشعب، فقررتم أن الكعكة لا يجب أن يوزعها الشعب، ليوزعها العسكر أفضل، فلهم معكم تاريخ من التوافقات منذ أيام الخديوي حسني مبارك، حيث العهد الذهبي لرجال الأعمال، ولغلاة العلمانيين، وللكنيسة ولغيرهم من إنكشارية 3 يوليو.

 

(9)

وكنا يا أصدقائي حتى وقتها، وإلى نهاية عهد مرسي يسعنا النقاش السياسي، وهو الذي كانوا يقولون عنه إنه فرق مصر! أما بعد أن أظلنا 3 يوليو المبارك، ما عاد يسعنا النقاش بعد أن غطى الفرعون الجديد وجه مصر بالدم، فأصبح ما بين المصريين هو الدماء، وحرق المقرات، والسجون المفتوحة على مصاريعها، والإعلام الأحادي، وليس الخلاف السياسي، قلتم لي يومها: «حركة تمرد تقوم بجهد كبير هذه الأيام ـ وكان لم يمض على بداية جهودها سوى أيام معدودة ـ ولقد نجحت في جمع 2 مليون توقيع!»، فرددت مستاء ومتشككًا أن هذا الرقم مستحيل في ظل الأيام المعدودة التي مضت على تكونها، وفي ظل حقيقة أن جمع هذا الرقم يحتاج لجهد لوجستي ومالي لا يتوفر لعدد محدود من الشباب، وأن الأمر كله لفتة دعائية لا محل لها من الإعراب القانوني، فإن الانتخابات العامة ستظلنا بعد شهور، فلماذا يترك تيار سياسي واثق من نفسه انتخابات لها ضمانات وإشراف قضائي ورقابة دولية، ويلجأ إلى تجميع توقيعات ليس لها أي ضمانات نزاهة؟ لكنكم يا أصدقائي كنتم واثقين، ليس في شباب تمرد، ولكن فيمن وراء التمرد!

 

كنتم ترون – بشكل أو آخر – ما لا أراه، فبينما كنت أقرأ المشهد قراءة سياسية وقانونية، كنتم ومن يماثلكم ترونه بطريقة نفعية براجماتية بغض النظر عن أي جانب سياسي أو قانوني.

 

 

(10)

إلى ذلك اليوم يا أصدقائي كان يسعنا الخلاف، ثم جاء 3 يوليو، وكنت غاضبًا، لكنني كنت على استعداد أن أتفهم مواقفكم، ولو لم أقبله، ثم بدأ القلب يقتر حزنًا وهمًا، وأنا أراكم تقفون إلى جوار النظام الذي بدأ يرتكب المذابح في الحرس الجمهوري وأعمال القتل اليومية، ثم جاءت كارثة التفويض حين فوضتم الجنرال في التصرف خارج الدستور والقانون، وأنتم تعلمون يقينًا أنكم تفوضونه على الدم، وأرسلت لكم يومها وحذرتكم، وكانت آخر الرسائل المتبادلة بيننا.

 

فلما تم التفويض وبدأ الجنرال الذي استدعيتموه ليزيل خصومكم السياسيين يمارس القتل والتنكيل في مذبحة وراء أخرى وجدتكم تؤيدون نكاية في خصومكم! ومن هم خصومكم إلا أصدقاء الأمس؟ خصومكم الذين يُقتَلون، كانوا ببسطة أنا وإخوتي من بقية أصدقائكم وإخوتكم!

عندما كان خيرة أخوتي وأحبابي يتظاهرون في الشوارع في يوليو وأغسطس 2013م، وضرب الرصاص الحي فوق رؤوسهم ونحو أجسادهم من الشرطة المجرمة من الأمام، ومن حلفائها من ميليشيات «المواطنين الشرفاء» من الخلف، ودماء وقتل، كانوا يقدمون أرواحهم من أجل أن يضمنوا حياه كريمة لأبنائك وأبنائي، كانوا وكنت ما زلنا نحمل لكم بقايا حب رغم غدركم، لكن بقايا الحب دهستها دبابات السيسي، وسكوتكم تارة، وفرحكم تارات!

 

 

(11)

يا صديقي القديم!

في رابعة قتل الكثيرون من أطهر شباب مصر، وجرح الكثيرون جدًا من أخير شباب مصر، قتل من أصدقائي أطهرهم وأفضلهم على يد جنرالك، وبتأييد مطلق منك وممن شابهك من الأصدقاء! أنت أيدت قتل إخواني، وكان يمكن أن أكون هناك معهم! لم يمنعني إلا الخوف وتدابير القدر، ولو كنت هناك ـ يا صديقي القديم ـ لقتلتني رصاصة أو أصابتني، وكنت ستؤيد ما حدث لي كما أيدت ما حدث لإخوتي! وكنت ستقول عني إنني أمسكت السلاح ضد الجيش والشرطة، تمامًا، تمامًا كما قلت عن إخوتي المغدورين قتلًا وجرحًا، وهم أفضل مني وخير، ولم يحملوا السلاح أبدًا حتى آخر لحظة في حياتهم، قتلوهم خسة وغدرًا، وكنت مع القتلة تؤيدهم.

 

 

(12)

يا صديقي القديم!

عندما اشتددت عليك محاولًا أن أنتشلك من نفسك، وجلدتك مرارًا بالكلمات ـ ولا أملك غيرها ـ محاولًا أن أشد عودك المائل؛ عله يعتدل، تكونت عندك أسطورة أنك تحلم علي، وأنك تصبر على الأذي مني! وأنك بعدم ردك علي فأنت أوفى لصداقتي مني لصداقتك! وما أعجبها من أسطورة!

 

(13)

يا صديقي القديم!

أي وفاء للصداقة تدعيه لنفسك أو تظنه فيك! وقد أيدت وحرضت وباركت مقتل إخوتي، بل قتلي، لو كنت معهم؟ وما زلت تؤيد؟ هب أن أحدهم قتل أخاك؟ وأنني أرى هذا القاتل رجلًا جيدًا، فهل ستعد هذا ابتداءً من علامات الصداقة؟ تخيل أنني زدت بعدها، وبدأت أمدحه في وجهك؟ وعلى صفحاتي في التواصل الإجتماعي، فهل يمكن بعدها أن تربطنا أية علاقة؟ هل يمكن مهما احتددت علي بعدها أن أدعي أنني أصبر على أذاك، وأنني أوفى للصداقة منك؟ أليس هذا بالضبط هو ما فَعَلتَه يا صديقي حين أيدت قاتل إخوتي، فوق ما يفعل من تدمير وإعادة للوطن سنوات طويلة إلى الوراء.

 

(14)

أي أسطورة في مخيلتك أنك صبرت على الأذي، وأنت صانع الأذى الأكبر في صداقتنا، يا صديقي أن كل ما قلته عنك وما جلدتك به من كلمات هين أمام خيانتك لصداقتنا إذ تؤيد من قتل أصدقائي وأخوتي، أرأيت إن قتلك أحدهم، أكنت تراني وفيًا، إذا أيدت قاتلك؟ يا صديقي كل ما قلته في حقك لا يوفيك غدرك، ولو حملتُ من طين الأرض فوضعته فوق رأسك فإن ذلك لا يوفيك غدرك وخيانتك لصداقتنا، وقد جاءك نعي من مات من أصدقائي، ثم أنت تواصل دعمك وتأييدك لقاتليهم.

 

(15)

هذا عن الأسطورة الباطلة أنك صبرت على الأذى، والواقع أن أذاك هو الذي عم وطم، وطعنتك وخيانتك هي التي لا تغتفر، بقي أن أحدثك عن مشكلتي معك ومع أمثالك من الأصدقاء القدامي الغادرين.

 

(16)

مشكلتي معكم يا صديقي أنني لا أملك بعد الشجاعة الكافية لأقطع دابر تلك العلاقة القديمة، وأن أتخلص منها، مازلت أتحدث معك ومع غيرك من هؤلاء الأصدقاء، وأصدقك القول أنني أؤنب نفسي على هذا؛ لأسباب شرعية وأسباب نفسية.

 

(17)

فأما الأسباب الشرعية فلأني أدين الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن الحديث والتواصل معك ومع أمثالك من أنصار الظالم المؤيدين له هو من أكبر الكبائر التي حذر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منها، وبين أنها مما أهلك من قبلنا من الأمم، فقال: «إنَّ أوَّلَ ما دخل النَّقصُ على بني إسرائيلَ أنَّه كان الرَّجلُ يلقَى الرَّجلَ فيقولُ يا هذا اتَّقِ اللهَ ودَعْ ما تصنعُ به فإنَّه لا يحِلُّ لك ثمَّ يلقاه من الغدِ وهو على حالِه فلا يمنعُه ذلك أن يكونَ أكيلَه وشريبَه وقعيدَه فلمَّا فعلوا ذلك ضرب اللهُ قلوبَ بعضِهم على بعضٍ» ثمَّ قال: «لعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ … إلى قولِه تعالَى … فَاسِقُونَ» ثمَّ قال: «كلَّا واللهِ لتأمرُنَّ بالمعروفِ ولتنهَوُنَّ عن المنكرِ ولتأخذُنَّ على يدِ الظَّالمِ ولتأطِرَنَّه على الحقِّ أطْرًا» (أخرجه أبو داود والمنذري في التغريب والتهريب واختاره النووي في رياض الصالحين وصححه أحمد شاكر في عمدة التفاسير)، فهجرانكم وما تفعلون هو فريضة شرعية خاصة بعد أن تناقشنا طويلًا فأقمت عليكم الحجة، وبينت لكم الشبهة، ولم يعد هناك مكان للإدعاء أنكم لا تعرفون.

 

(18)

إن هجرانكم فريضة شرعية، حتى يعرف مؤيد الظالم أن هناك ثمنًا سيدفعه، وأنه لا يستطيع أن يؤيد الظالم ويحافظ على علاقته مع المظلوم في نفس الوقت، لا يستطيع أن يضع يده مع يد الغادر، ثم يكون نديمًا للمغدور معًا، وإلا فأي دافع عنده ليقف مع نفسه ويحاول تصحيح مساره، نحن بهجرانكم نؤدي فريضة فرضها الله علينا في أكثر من نص في القرآن والسنة، ولن أكثر عليك من النصوص فقد أصبح قلبك في صدود منها، وأصبحت ترى كل من يحدثك في الدين متاجرًا بالدين! ولم تعد تأخذ من نصوص الدين، إلا ما يقدمه لك علماء السلطة الذين يسوغون كل إجرام على هواك، هجرانكم فريضة دينية، لعلكم تستشعرون فقد بعض أصدقائكم، فيحملكم هذا يومًا على مراجعة النفس، ففي هجرانكم محاولة أخيرة لإصلاحكم.

 

(19)

ولا يستعنا السكوت عن إجرامكم إذ تؤيدون المجرم، لا يسعنا السكون من أجل أنفسنا ومن أجلكم، وإن مثلنا ومثلكم كمثل الذين وعظوا أصحاب السبت: «وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ»، فأنجى الله فقط الذين نهوا عن السوء، وأهلك الذين ظلموا والذين «كبروا دماغهم وتعايشوا».

 

(20)

وأما الأسباب النفسية التي تجعلني في مشكلة: أنني موقن تمامًا أن العلاقات معكم انتهت، ففيم بقاؤها؟ إن مثلي ومثلكم كمثل رجل قطعت يده في معركة، ولم تعد ملتصقة بجسده، إلا بقطعة من الجلد، فلا هي يمكن إعادتها، ولا هي قطعت بالكامل وراح أذاها، فهو يجرجرها حملًا وألمًا ونزيفًا وكرها بلا فائدة، أي شيء بقي من صداقتنا يا صديقي! وأي رابطة بقيت بيننا، وأنا أرى أنك تؤيد من قتل إخوتي ويخرب وطني! وأنت تحاول أن تردها لي من باب الدفاعات النفسية عندك فتلمح أو تصرح أنني أؤيد الإرهاب ضد الجيش، هذا حجة عليك وليس لك، فردك بالمثل معناه نفاد حججك في الدفاع عن نفسك، ولو كنت مثلما تقول مؤيدًا للإرهابيين فقد أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا بقي إذًا من الصداقة بيننا؟ فيم سنتحدث وأنا أراك تؤيد القتل وأنت تراني أؤيد الإرهابيين؟ ففيم سنتواصل ونتحدث؟ عن الكرة والنساء؟ هل هذا هو ما تبقى من صداقتنا؟ هل هذا هو ما سأستبقيك على تأييدك لقاتل إخوتي ومخرب بلادي من أجله؟ أي كرة سنتحدث عنها، منذ متى كان حديثنا عن الكرة؟ أما عن النساء فمالحة ضفائر النساء، يا أخي في تلك الأوقات!  كما ذكر نزار في هوامشه على دفتر النكسة، وأي نكسة أكبر مما نحن فيه!

 

(21)

يا صديقي القديم!

لم أستطع بعد أن أقطع دابر تلك العلاقة التي أصبحت مسيئة شرعيًا ونفسيًا، لم أستطع أن أفعل كالصحابي الذي بترت يده في المعركة وتعلقت به بجلدة، حتى آذته ولم يعد يستطيع القتال فتحامل عليها حتى قطعها ومضى يكمل قتاله، لم أستطع، لماذا لأنني لست رجلًا بحق – أقولها معترفًا – غلبت علي عاطفة إليك كعاطفة النساء حين تغلب هواها على الحق، وهذا هو ما يربطني بك حاليًا، عاطفة ليس لها هدى أما ما تطالبني به من نسيان مواقفك وأن نكمل صداقتنا محاذرين «الكلام في السياسة» كأن ما يفرقنا هو كلام في السياسة! فهذا سيعدو كونه عاطفة نسائية لتصبح دياثة اجتماعية ونفسية لا أريدها ولا أستطيعها ولا أرتضيها لنفسي ولا حتى لأعدائي، ومرة أخرى يا صديقي: الحياة اختيارات، واختياراتنا تحدد مصيرنا في الدنيا والآخرة، ولا تستطيع أنت ولا أنا أن نكون في مركبين في وقت واحد، ولا في قطارين متعاكسين في آن واحد، ولقد اخترت مركب الظالمين وقطارهم، فإما أن تنزل وتركب معها ولا تكونن مع الظالمين، وإما فراق تزيد مسافته بمقدار ابتعاد كل قطار في طريقه.

 

(22)

لم أستطع بعد أن أقوم بالإجراء السليم وأن أقطع دابر العلاقة معك، والنتيجة أنني واقع في كبيرة من الكبائر، بل من أكبرها دينيًا، وواقع في أزمة نفسية وأخلاقية، وهذا طبيعي، فما لا يتفق مع الشرع لا يتفق مع الطبع – إن كان سويًا، أتدري ما عزائي يا صديقي، عزائي أن تلك العلاقة التي لا استطيع قطعها من جانبي ستفعلها أنت وتريحني في يوم قريب، ففي يوم قريب بإذن الله – سيسقط الطاغوت – يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، يومئذ نشمت في الظالمين، يومئذ سنسوق الطاغية وزبانيته إلى حبال المشانق، يومها ستقطعوننا، أترى كم نحن ضعافًا أمامكم! لم نستطع قطعكم في دم أشرف وأطهر شباب وبنات مصر، وستقطعوننا أنتم في دم أخس وأحط من أنجبت مصر، يومها تصير الفرحة فرحتين، فرحة بنصر الله، وفرحة بالتخلص من آلام لم نستطع أن نتخلص منها، فإلى ذلك اليوم يا صديقي، وعسى أن يكون قريبًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد