لقد غرّكم الفقر فاستغنيتم بالظلم، وغرّكم المرض فأشركتم بالله، وغرّتكم الملذّات فنيستم عبادة الله، وغرّتكم أنفسكم، فضللتم طريق الحق، وغرّتكم الأموال والبنين والقناطر المنقطرة من الذهب والفضّة فاستبعدتم أنفسكم عن ذكر الله، قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ). سورة الانفطار، الآية 8.

هذا دليل صريح أنّ الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يجعلك صمًّا أو بكمًا أو عميانًا، أو فقيرًا، أو مجنونًا، أو مريضا فبالتّأكيد إنّه يحدث بين الكاف والنّون، قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). سورة يسن، الآية 83.

وأهمّ شيء الذي إذا لم يعظنا تفكّرًا وتدبّرًا، فلاشيء يعظنا بعده، يقول السائل ما هذا الشيء يا الكاتب؟ فيجيب العبد الفقير إلى الله: ألا هو الموت.

تعريف الموت

هو عبارة عن ظاهرة واقعية مخفية تقوم بعمليّة الفصل فيما بين الرّوح والجسد، وإذا كانت المادة غير روحانية فموته الجفاف كالأشجار، والظهور، والنبات. وإذا قيل: مات فلان يعني أنّه خرج من حيز الأحياء دنياهم إلى عالم آخر يسمّى بالآخرة عند المسلمين، وإذا كانت للأحياء سمات وصفات مثل: الكلام والحركات والسكنات والتفكير والنمو واليقظة والإحساس والشعور والإدراك والفهم والتدبير والتطبيق، والعمل، والفرح والحزن والانفعالات والأكل والشرب، والتمتّع والاستمتاع، والسمع، والبصر، والذوق، وغيرها، فإنّ للأموات صفات تعكس المذكورة كلّها مثل: السكون المطلق بمعنى عدم الحركة إلا حرّكه أحد، الصمت التّام فالميّت لا يتكلّم أبدًا، والاتلاف بمعنى أنّ الدّيدان لآكل جثّته، التحلّل بمعنى أنّ التّراب سيحوّله إلى أرض مثله، أمّا الرّوح فتكون في حياة أخرى سماها الإسلام «بالحياة البرزخية»، وهي الحياة التي تبتدئ من الممات إلى يوم الحساب والجزاء، فالبزخ هو الهمزة القطع بين الدّنيا والآخرة، فالأحياء خبراء بعالمهم الذي يسمونه الآن بالقرية الصغيرة؛ لأنّ التكنولوجية جعلت العالم واحد بين أيدي المتعلّم يسبح في بحار العلوم كما يشاء، ويستقبل بينات العالم بالصورة والصوت متى شاء، والمناسبات الجماهيرية العالمية لا تختفي على أحد مثل الكأس القاري أو العالمي لكرة القدم تجد كلّ الدّنيا جالسة في لحظة واحدة وتنظر إلى مكان واحد وتتفاعل فيما بين التمتع، أو التشجيع أو المشاركة فقط، والاحتفالات الزوجية والمواليد، والأعياد الدينية، والقضايا الإنسانية الطبيعية مثل زلازل الأرض، أو المجاعة، أو الطاعون، والمحدوثة مثل: الحربين العالميتين، والحروب الأهلية، وإجراء أنظمة العالم العليا فرض العقابات الاقتصادية على البلاد وغيرها من الحالات الصعبة التي سببها الإنسان بنفسه مباشرة أو من غيره إليه.

وكذلك الأموات على يقظة ويقين بالعالم الذي هم فيه بعد الموت، ولولا الرّسل والأنبياء لما شعر الإنسان شيء من هذا العالم ناهيك عن معرفة أحواله، والأحداث التي ستحدث فيه، لكنّ القرآن الكريم والأحاديث النبوّة الشريفة ألقوان الأضواء الساطعة بشكل واضح في حياة الآخرة عمومًا، وخصوصًا أحوال الحياة في البرزخ، اللهم أسأل أن يهدينا إلى صراطه المستقيم.

على أيّ حال: دعنا نرجع إلى أهمّ ظاهرة التي هي أقوى إرشادًا للبشرية إلى التفكّر والتقويم في السلوك والأخلاق قبل فوات الأعوام، ألا وهو «الموت» كماهو المذكور آنفًا، بالتأكيد أنّه لا أحد يريد أن يسمع كلمة «الموت» الكلّ يكرحها لأنّه لا أحد يحبّ أن يفارق أهله وزملاءه وإخوته وأخواته وأصدقاءه وجيرانه ومن في الأرض جميعًا، ولا أحد يسأم بالمناظر الطيبة الجميلة للحياة، ولا التنفّس المريحة الحلوة، ولا أحد يرغب الذلّة والمسكنة والكئوبة أبدًا، بل الشقاوة، لكن الفطرة ثبّتت بأنّ الإنسان يومًا سيرجع من هذا العالم الجديد إلى حيث حضر إليه.

الكلّ يتفق على هذه المقولة، لكنّ الغفلة الدّاكنة تزدهم بني البشرية وينسى هذه الحقيقة بأسرع وقت على الرّغم من مشاهدته يوميًا هذه الظاهرة، إنسان يرجع إلى الله لحظة ولو بعد 100 سنة للعيش كأنّه لم يكن في هذا العالم قط فسيراه كأنه لم يلبس إلاّ عشية أو ضحاها، والدليل الواضح اليقين على ذلك أنّك ترى بعمق عينيك أناس كثيرين أقرباء كانوا أو بعيدين عنك حول العالم يأخذونهم إلى القبور ناهيك عن السطور التاريخية للأمم المنصرمة الغابرة.

أيّها الإنسان العاقل، هل في مبرّر للمنيّة أظفارها؟ بالتّأكيد لا يوجد أيّ مبرّر لك إذا جاء أجلك، والدّليل على ذلك أنّ الصبيّ في بطن أمه يموت، والمرأة تموت وهي حامل، أو تلد جثّة، أو تموت وتترك الطفل، والموت كذلك أيّها النّاس لايبالي بالظروف أو الحالة التي أنت عليها، سواء كنت عزيزًا، أم حقيرًا، غنيًّا أم فقيرًا، مؤمنًا أم فاجرًا كفّارًا، ملكًا أم غفيرًا، أبيض أم أسود، أحمر أم أصفر، ذكيًّا أم بليد، صحيح العقل أم مختلًا، كبيرا أم صغيرًا، شابًا أم عجوزًا، قويًا أو ضعيفا، محسنًا أم مسيئا، متزوّجًا أم عازبًا، مفردًا أم جماعة، عالمًا أم أميّا، والدًا أو مولودًا، فالكلّ يرحل دون سبيل للتبرر أو الاعتذار.

أين الأنياء والرّسل؟ أين الكفار والملحدون؟ أين الملوك والرّؤساء؟ أين النجوم السينمائيون؟ أين الفلاسفة والمؤرخون؟ أين المخترعون والمبتكرون للتكنولوجيات الرّائدة لهذا الكون؟ الموقف لا يسمح لذكر الأسماء، لكنّ المعروف أنّهم كانوا يعيشون في هذه الدّنيا، وكانوا أفضل منك شهرة، ورفاهية، وطمأنينة في الحياة، وتسمع من أخبارهم جيّدًا إلّا أنّ وقت الرّجوع إلى البرزخ إذا حان لا يترك لأحد فرصة التوبة إلى خالقه ورازقه الله عزّ وجلّ كما لا يترك لك سانحة للقيام بتحية الوداع لإخوتك وأصدقائك والنّاس حولك، ومن سهل له الله العودة بالتوفيق فنعمّا هو فيما كسب، ومن أهلكه وأبرز أسراره فجزاءًا بما اكتسب.

سواء رضينا أم أبينا فهذه هي المسيرة التي يقترب الإنسان بها من أوّل الثواني ليوم ولادته، وربّما يرجع حتى قبل الولادة، ناهيك بعدها فالمرضع يرجع، والفصام، والطفل، والولد، والمراهق، والشاب، والرّجل، والشيخ، والكهل، والحرم لا محالة أنّ الكلّ يومًا سيرجع إلى ربّه الباقي وجهه الكريم، وهذا الذكر المبين هو شيء معروف لدى الجميع، بل مألوف في الدّنيا كلّها، لكن سرعان ما ينساه الإنسان ويصوّر في ذهنه أشياء خيالية كثيرة، وآمال بعيدة المدى، كما يرى أنّ الشيخ هو المستحقّ بالموت، ويقضي الشاب حاجاته ويحقق أطماءه، وينجز خطواته حتى إذا ظهرت عليه علامات الموت فسوف يرجع إلى ربّه بالصلوات والتوية والاستغفار، أيّها الشاب الذكّي ألا تعرف أنّك قضيت من العمر زمنًا معقولًا؟ إذا قارنّاك بالذين رجعوا إلى ربّهم وهم في بطن أمّهاتهم وبعضهم يوم ولادتها كابنتي إسراء سعيد تغمّدها الله برحمته وغفرانه وسلوانه تعالى، وكذلك جدّي وأمّي الحنانة وجميع أموات المسلمين والمسلمات في جميع أنحاء العالم.

الأخ الكريم الفاضل! هذا التلميح لا يعني بالضّرورة أنّ أحدًا يجعل يخاف من الدّنيا، أو أن يكوّر نفسه عن طلب المعيشة والفضل والجاه والعزّة والكرم في هذه الحياة الدّنيا، لكن لتكون هذه الخصال الطيّبة وسيلة لك إلى الجنّة لقول السيّد البشريّة محمّد صلى الله عليه وسلّم: (المؤمن القويّ خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) فمن وفّقه الله بعلم فهو رفعة ينبغي عليه أن يشكر الله تعالى على هذه النّعمة، ثمّ يجعله سراجًا منيرًا له إلى الفلاح في الدّارين، ومن رزقه الله بمال، فلا يظنّنّ أنّه إمتلكه بالحيل وأنّه أكثر النّاس حرصًا على جمعه، أو أنّه أذكى النّاس وأفضلهم هكذا زعم قارون عليه اللعنة فأهلكه الله وكنوزه تحت الأرض، ومن أعطي ملكًا فلا يتبختر جائرًا ومتكبّرًا كما فعله فرعون عليه اللعنة، بل ينبغي عليه أن يتصرّف مثل ما تصرّف سيّدنا سليمان عليه السلام الذي لم يعط أحد مثل ملكه في العالم، لكنّ الله هداه به إلى الإيمان والنجاة في الدّارين.

ومن قدّر عليه رزقه، فلا يأسف، بل ناهيك عن اليأس من رَوْحِ الله عزّ وجلّ والفقر ليس برمز من رموز الشقاوة، ولا عدم البركة في الحياة كما يزعمه الجاهلون وإنّما هو إبتلاء ربّاني ليعلم قوّة إيمان عبده أو ضعفه، قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) سورة البقرة، الآية 157.

كم من النّاس أضلّهم السامريّ خلال المال؟ وكم منهم باعوا آخرتهم بالدّنيا الفانية؟ وكم من محسن حوّل إلى مسيء من أجل الدّولارات؟ وكم منهم خلقوا لأنفسهم دينًا فلسفيًا بأن يرتكب المعاصي ثمّ يطير بالطائرة إلى مكّة طلبًا التوبة؟ آلله ليس يراك حين تقلّبك؟ أأنت أمهر حيلة من ربّك الذي خلقك؟ التّوبة مقبولة ولو في بلادك إذا توفّرت شروطها، منها ترك المعصية فورًا ونهائيًا، ثمّ النّدامة على ما فاتك، أمّا أن تشترط قبول التوبة بالطواف بالكعبة، ثمّ العودة إلى بلادك فاستئناف المنكرات أو المحرمات من الأخلاق والتصرفات فهذا ليس إلا ضياءً للمال وضعف للإيمان كأنّك تتخيّل بأنّ الله لا يراك ولا يسمعك في منطقتك التي ترتكب فيها المعاصي! كلا، وقد تطوّرت هذه الفكرة الشيطانيّة في أوساط الظالمين من النّاس، وجعلوه منهجًا يتسارعون إليه، ألا وهو جمع الأموال بالحرام بمعنى السرقة أو الرّشوة من حقوق غيرهم ويذهبون بها نحو الكعبة المطهّرة الشريفة يطلبون فيها المغفرة من الله عزّ وجلّ، هل تظنّ أنّ ربّك ظلاّم لعبيده؟ الجواب لا!

الله ليس بظلاّم لعبيده، وإنّما العباد وبالتأكيد هم الذين يظلمون أنفسهم أوّلًا ثمّ يظلمون بعضهم بعضًا، ويستعبدون بعضهم بعضًا، ويسترقون بعضهم بعضًا، ويقهر القويّ الضعيف، ويهمّش الغنيّ الفقير على الرّغم من أنّ النّاس جميعهم فقراء إلى الله والله هو الغنيّ الحميد، إلاّ أنّ بعضهم بالغفلة استخدموا نعمة الله عليهم بغرض الإستيلاء، والغطرسة، على غيرهم، لاسيما إذا كان سببًا في نجاح المرء في جزء من حياته. ألا تعلم أنّ الله اختارك سببًا لمساعدة غيرك حتى إذا أخلصت فيها أعطاك الجزاء أضعاف أضعاف؟ ولماذا تحوّل هذه النعمة الربّانيّة إلى نقمة تمُنُّ من خلالها على من ساعدته؟ بجعل السمعة والرّياء في صفاتك، والأخطر تقليل شأن الإنسان الذي ساعدته. أم في وراء مساعدتك له روح القمع والتهميش والذلّ، بل والظلم المستمرّ في حقّه؟

إخلاص النيّات من الدّرجة العليا للإيمان، ومن لم يخلص نيّته فكأنه يشرك بالله الواحد القهّار، ومن العجب أن إنسانًا يقول لأخيه بكلّ وضوح وصراحة، «لولا أنا لما كنت شيئًا» من أنت؟ وما دور الخالق المبدبّر لشؤون عباده؟ أمّا إن كنت سببًا في توفيقي، فالشكر والتقدير والعرفان لك، إلاّ أنّ ذلك ليس بدليل لك أن تستعمره، أو تأخذه عبدًا لك، بل وتقف أمام حريّته الخاصة في التفكير واتخاذ القرارات، وتدبير أموره المتعلّقة بذاته.

على أيّ حال الأخ الكريم، الشكر لله على نعمة الإسلام لك هو من أفضل الأمور، ثمّ شكره عزّ وجلّ أن وفّرلك الصحة والعافية، ثمّ الشكر له أنّه لم يجعلك جاهلًا، ولا غبياّ، ولا طماعًا، ولاحسودًا، ولا زنديقًا، ولا كسولًا، ولا فاجرًا، ولا مجرمًا، ولا معيبا للنّاس ولا مفضلًا لنفسه بالأنانيّة، المغرور الذي يفشي جوانب الضعف للنّاس تحقيرًا وتقليلًا لشأنهم، ويكتم سماتهم الكريمة الفاضلة والتي لم يعطيه الله ذلك الفضل، حذار أن تكون معيبًا منافقًا وكاذبًا ومتكبّرًا، ومنّانًا، بل مشركًا بالله مع الظنون أنّ على الحقّ لاستخدام الحيل للتفاضل على غيرك.

الكلّ له نصيب في الحياة، حتى الغفير الذي يجلس حارسًا لبيتك له أهميّة وميزية ربّانيّة، لاسيما إن كان عبدًا مؤمنًا مطيعًا لربّه، على الرغم من أنّك تراه ذليلًا، إلاّ أنّه أفضل منك بكثير يحترمك إجلالًا، وليس يعبدك ربًا، لأنّه على دراية تامّة أنّ مع معاصيك وبجورك لربّك أنت السبب لإيجاده ما يطعم به أهله من خلال عمل الغفير، يطهّر به رزقه حلالًا طيبًا مباركًا فيه، المتمثّل بالمرتبات الشهرية التي تعطيه، هو يعلم جيّدًا وللأسف أنّك لم ولن تخلق ذبابًا، ولم ولن تفرّ من الموت إذا جاء، وأخيرًا سوف تعود يومًا إلى من أوكلك هذه الأمانة، فسيسألك كيف استخدمتها؟ أأشركت بي من خلالها؟ أجعلت عبادي عبادًا لك؟ (متى استعبدتهم وأمّهاتهم ولدتهم أحرارًا)؟ أأستخدمتها خالصًا لوجهي أم اقتحمت إرادتك الخاصة فيها؟ بمعنى أنّه من أراد أن يستفيد بنعمتك أن يكون جاهلًا ولو قرأ أمّهات الكتب، أو يكون ذليلًا أمامك حتى تستريح نفسك بالأوهام، أو أن يعبدك ربا حتى تشبع نفسك الضعيفة الفقيرة إلى ربّها. استيقظ أيّها المغرور لأنّ الحيل لها حدود، أمّا العلم فبحر لا يستطيع أحد أن يصل قعره، والتوفيق من الله لا من النّاس، ما أعطاه النّاس إيّاك من فضلٍ سوف يخلعونه من يومًا أمّا الذي أعطاه الله لك من توفيق لا أحد يأخذه منك ولو هزّز حسده البراكين نيرانًا.

متّفق عليه أنّ العلم توفيق ربّاني سهل الحمل إلى حيث تعيش في أرض الله الواسعة، ولا يخلع منك أبدّا حتى في القبر، وما نشرته فلك الحسنات المستمرّة من الله عزّ وجلّ حتى بعد الموت، والمال تفيق ربّاني إذا كسب بطريقة شرعية واستخدم فيما لا يخالف الشريعة والعقل السويّ، والسلطة توفيق ربّاني إذا حكم بين النّاس بالعدل، والجاه توفيق إذا استسلم صاحبه لربّه عزّ وجلّ أمّا إذا راوغه الشيطان فجعل هذا الجاه تفاضلًا وإسرفًا لنفسه على النّاس، فسوف ينظرون إليه النّاس كأنّهم لا يرونه حتى إذا انقرضت أسباب هذا الجاه فيقولون له الحق في حضوره، من حيث التصرفات الغبيّة، والصفات المذمومة، ونفسه السيئة الخبيثة الذي كانت تزعج النّاس لكن صبروا حكمةً للاستفادة، بل والاستبراء عن مصيبته.

وأخيرًا أيّها الأخ الفاضل الأمين في نفسه! اعلم أنّ صلاحك في نفسك وفسادك فيها، ومن المعروف، بل الفطرة أنّ أحدًا لا يستطيع أن يجلب صدور النّاس كلّهم إلى حبّه، ولو جعل يعطيهم أمولًا كلّ يومٍ، الأخطر أنّهم سوف يلقّبونك أسماءًا يحقرون بها نفسك وأولادك لأنّ الإنسان مخلوق صعب وصعوبته في نفسه العمّارة بالسوء إلا من رحمه الله، لكن على أيّ حال، حاول أن تجلب رضا النّاس بعد رضى الله إليك بالأخلاق الفاضلة وحكمتك الساحرة، وعزّتك التي في نفسك والتي لا تسلبها أحد منك إن كنت من عباد الله الصّالحين على الدّوام، حاول أن يرى 70% على الأقل من الناس حولك أنّك إنسان طيب ومحسن ومخلص، وعطوف، من أن يرون العكس فيك لأنّه شرّ لك ولأحفادك، سواء كنت على قيد الحياة أم بعد الارتفاع إلى عالم الغيب واليقين والشهادة.

أقول ما يسمعه القارئ المخلص، نفعني الله وإيّاه بهذه النّصوص وجعلها هدى لنا في جميع تصرفاتنا خاصة عند الغفلة عن اليوم الذي تشتخص فيه الأبصار، وتبرز فيه الأسرار، بل اليوم الذي يكون فيه بصرك حديد، هو يوم الحشر، ويوم التغابن، يوم بلوغ الحلقوم، يوم النظر إليك وحدك، يوم الفرار، يوم التنادي، يوم الفزع الكبر، يوم الهول، يوم الصّاخة، يوم الطّامّة الكبرى، يوم التذكرة، يوم النّدامة، يوم الملامة، يوم الدّين، يوم الجزاء والحساب، يوم يقوم فيه الرّوح والملائكة صفًا، يوم الساعة، وهذه الأيام لها أسماء متعدّدة، لكن معناها واحد وهو «يوم القيامة» وهو الذي يظهر لك بعد الموت مباشرة.

وصلى  الله على النبيّ المصطفى الأمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد