أعلم أنك تحتضر، ونحن ننظر إليك بدون اهتمام، نشعر بحزنك وما وصلت إليه. كنت في القمة لسنوات عديدة، بل كنت الأول منذ توسيعك لأغراض عسكرية على يد حاكم بغداد القائد العثماني «خليل باشا» حينها كانت تسميتك «جادة سي» كان ذلك عام 1910. عرف عنك أصالتك والتزامك الديني حين احتضنت من قديم الزمان عددًا من المساجد، والتي ما زالت لوقتنا الحاضر. «مسجد مرجان» و«الحيدر خانة» الذي شيده داود باشا عام 1819، و«سيد سلطان علي» و«حسين باشا» وإن لم يبق من بعضها إلا الأثر.

أنت صفحة كبيرة، بل كتاب لأجيال وأجيال عاشت بين أحضانك. صاحب الضيافة لكل زائر لبغداد كنت خير مضياف لشخصيات مشهورة عربية وعالمية. صدحت حنجرة أم كلثوم في «فندق الهلال» بأحلى أغانيها. وصفتك أجاثا كريستي وكيف كنت تحتضن الجميع. عامل وتاجر وسائح وإن قست بعض الشيء حين وصفت محلاتك ومتاجرك بالفوضى. هي ترى ذلك بعين الأجنبي المتكبر. لكن محبيك يرونك الأجمل والأفضل، بل والأرقى من بين كل الشوارع. من يزور بغداد يجد نفسه ودون سابق إنذار حيث يحط الرحال بين أعمدتك الشهيرة والبالغة 1204، ومقاهيك التي حافظت على وجودها وأصالتها رغم هجوم العولمة السريع. يشرب شاي السماور البغدادي عل أنغام كوكب الشرق في مقهى «أم كلثوم»، ليواصل السير بعد ذلك بين أعمدتك المرفوعة الرأس، ولسان حالها يقول: أنا من بين عدة رموز تدل على هذا الشارع، ليصل مقهى الزهاوي تجمع المثقفين.

شهدت الصراعات السياسية والتي حافظت فيها على حيادك التام، فأنت للجميع والجميع لك. تضم بين جناحيك رئة الثقافة «شارع المتنبي»، والذي ترتبط معه بصلة الأصالة، والذي تحسد جميع العواصم بغداد لوجوده فيها، ومدرستك المستنصرية والتي كانت في وقتها الجامعة والتي استقطبت طلبة العلم من كل أرجاء العالم. من كان يزورك لا يكل ولا يمل من السير حتى نهايتك ليعود مجددًا إلى بدايتك، ويروي ظمأه بشربة زبيب «حجي زبالة» الغارق في الأصالة والطعم المميز، شراب الملوك في حينهم، والذين احتضنتهم بكل عطف في سراياهم على ضفاف دجلة، كما احتضنت الجميع أسواقك العامرة: سوق «الشورجة»، و«السوق العربي»، وسوق «البزازين».

واليوم لم يبق منك غير الأوفياء ممن يشيرون لوجودك من أعمدتك المتهالكة، والتي ترفض الانحناء، ومقاهيك، والمتنبي وشربتك الأصيلة «بأصالة حجي زبالة»، وتمثال الرصافي والذي ينظر إليه السائر فيك ولسان حاله يقول بكل فخر، أنا من بلد هذا الشاعر، ليصل إلى سوق الصفافير والذي لم يبق منه إلا بعض أجزائه المريضة بمرضك: مرض الإهمال.

اليوم السائر فيك لا يجد طريقه إلا بشق الأنفس بسبب التجاوزات، وكثرة الأسيجة الكونكريتية، والتي دقت في قلبك لتزيده ألمًا ووجعًا. أنقاض في كل مكان، بضائع وضعت كيفما اتفق على أرصفتك، بل تتجاوز ذلك لتتوسط الطريق. ولا بد أنك تلتمس العذر لروادك فهم لا يملكون نفعًا ولا ضرًا لأنفسهم؛ فكيف ينقذونك مما أنت فيه؟ مرضك نفسه مرضهم معاناتك نفسها معاناتهم، ولعلك تلتمس لهم العذر كل يوم، ولا غرابة فأنت شارعهم الذي لم يفارقوه، ينظرون إليك يشعرون بما تشعر، يألمون لما تتألم، لكن لا يفارقونك، هم ملتزمون بأدب الزيارة، ولهم في ذلك طقوس يحافظون عليها، وكأنها جزء لا يتجزأ من حياتهم. ينظرون إليك وعيونهم تخاطبك قائلة: اصبر فلا بد أن يأتي اليوم الذي تعود فيه الأجمل. وستبقى للأجيال القادمة منارة للعلم والأصالة. والحمد لله أن أجاثا كريستي لم تزرك في هذا الزمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد