بدأت في كتابة ذلك الخطاب إليك في الحادية عشرة والثلث من مساء الخامس والعشرين من سبتمبر، لا أخفيك أني قد ترددت كثيرا قبل أن أكتب هذا الخطاب إليك؛ ربما لأنني لست بارعًا في توجيه الرسائل لأشخاص، وربما لأنني لا أتبين حقيقة وضعك الآن.

وما يدريني فقد تكون الآن مستلقيًا على شيزلونج ممسكا بيدك كأسًا من مشروب غريب يعلوه شاليموه وترتشف منه على مهل بينما تطل بعينيك على ساحل بديع وشاطئ لا يوجد إلا في أحلام أولئك الحالمين ببعض السكون والسلام. إذا كنت كذلك فلن ألومك، هو حقك.

وربما كنت وهذا غالب ظني تتابع في صمت وعن كثب وتشاهد هذا الذي كان يهتف للحرية وهو الآن يتغنى في حُب لُب النظام، وهذا الذي ات*شخ في معتقلات مبارك زمنا وعاد الآن وهو يزم شفتيه تبرمًا من أولئك الذين ينادون بحقوق الإنسان وحق الحياة.

عموما إذا كنت في وضع الاسترخاء سالف الذكر فلابد من إرسال هذا الخطاب لتذكير الغافل والتنكيد على اللي جابوه، أما إذا كنت في الوضع الثاني فاعتبر هذا الخطاب مشاركة من شاب بسيط بلغ عامه العشرين من ستة أشهر ولا يملك في الحياة سوى عقل ينز عن أسئلة وقلب مفتور بفعل أشياء لا داعي لذكرها. سامحني على الإطالة ولكنها واجبة لبلع ما هو قادم:

• منذ أيام قرأت متأخرًا مقال د. مصطفى النجار الذي يتحدث عنك وكنت قد لاحظت غيابك منذ الثالث من يوليو وذكر النجار أشياء ليست بالجديدة فنحن نتابع الحملة الشرسة التي تواجهها منذ نجاح ثورة يناير في الإطاحة بحسني مبارك.

ولكنك كنت دائما تواجهها إما بالسخرية تارة في حالة عكاشة وأمثاله، وإما بالتنفيس عن غضبك لرواد صفحتك كما في حالة عمرو مصطفى حين ذكر والدك بصفات بذيئة، وكيف أنك مسحت البوست حين وجدته تحول لسب عمرو مصطفى ووالده. ولكن ما الجديد الذي طرأ؟

بالتأكيد أنت لم تكن إخوانيا يومًا، ليس فقط لأنك ذكرت في كتابك الذي سأتعرض له لاحقا في فقرة منفصلة أنك فقط شاركتهم بشكل مستقل في بعض الأنشطة الخيرية في فترة دراستك، ولكن لأنك قبل الثلاثين من يونيو نشرت فيديو لك تدعو فيه د. مرسي إلى الاستقالة والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة.

وأيضًا خلال عام من حكمه كنت مِن أبرز مَن عارضوه بطريقة علمية وعملية وقدمت عبر صفحتك الشخصية تحليلات شديدة التخصص والعمق للعديد من المشكلات الحيوية، ولذلك فغيابك محيرٌ، أنت أحد الأشخاص الذين صنعوا تلك الثورة ولن تحاول إنكار ذلك لأن تواضعك هذا لم يعصمك من حملات التشويه التي قادها ضدك بقايا نظام مبارك، بدءًا من خروجك من السجن مرورًا ببكائك على شهداء اعتبروهم ولا زالوا بلطجية.

انتهاءً بمواقفك المتعددة على مرِّ عامين ونصف، ولن تفلح في إنكار أنك لم تنل من الثورة إلا مغارِمها، وإن كنت تبحث عن مغانِمها لكنت مثلا تشبثت بالدعوات التي انطلقت إبان اعتقالك بتعيينك متحدثًا عن وباسم الثورة الوليدة، أو هرعت من فور خروجك إلى جميع القنوات المحلية والعالمية لتسجل مواقف مسبقة وتضمن مساحات في أرضية مستقبلية قادمة. لذلك ولكل ما سبق أنا أستغرب يأسك جدًا.

• لن أكذب عليك أو أصطنع البطولة وأخبرك أنني هتفت في التحرير من أجلك أو من أجل أي شيء، لن أقول لك أن أسفلت الميدان يحبني وأحبه يأنس بي وآنس به، بالعكس أنا لم أكن طرفًا في الثورة لا مشاركة ولا دعمًا، ربما لأني قد يئست فقط بعد عدة سنوات منذ بدء مراهقتي قضيتهم في شراء صحيفة الدستور وإبراهيم عيسى وبلال فضل وفهمي هويدي وغيرهم وغيرهم.

وتمنيت أن يكون لي الحق في الانتخاب كي أنتخب أيمن نور في انتخابات الرئاسة، وتابعت تجربة حزب الغد وحركة كفاية ونشأة 6إبريل ولكن كل ذلك كان بالنسبة لطفل في الخامسة عشرة هباء منثورا لا يغني ولا يسمن من جوع.

ولم أدرك أن هناك ما تغير إلا بعد عدة أشهر من الثورة حين وجدت أن بالفعل هناك عدة أطراف قد كرهتها أبدا لا زالت تتصدر المشهد وتحاول أن تنال من الثوار، بدءًا من العباسية الأولى مرورًا ببيان المجلس العسكري الذي خوّن شباب 6إبريل، انتهاء بمحاكمة مبارك الهزلية التي كانت بوادرها تشير إلى ما آلت إليه الآن.

هنا ظهر كلٌّ من المعسكرين وكشفا عن وجهيهما الحقيقيين حيث يدافع كل منهما عن بقائه وعن كينونته. المعسكر الأول شباب لا يملكون إلا لسانًا يلهج بحب الوطن والوفاء لذكرى الشهداء، والمعسكر الثاني يحافظ على مصالحه وعلى صروحه ولا يخجل من إعلان ذلك ولا يتوانى عن فعل ذلك حتى ولو كان ذلك على أشلاء آدمية.

هنا كان يجب على المرء التثبت ومراجعة نفسه والسؤال أي مكان تبتغي الوجود فيه مع هؤلاء أو مع هؤلاء؟ قد يتبادر إلى الذهن أن شابًا في الثامنة عشرة حين يختار أن يساند الثوار هل سينجحون أو حين يساند النظاميين هل سينجحون؟ أصلا ما تأثير فرد في محافظة قروية على سير الأحداث في بلد كمصر؟ ولكن لماذا حين نختار الانحياز إلى هذا أو ذاك ننتظر أن نسهم في الأمر إيجابا أو سلبًا؟

يكفينا شرفا أننا اخترنا ألا نصمت وأن يكون لنا دورٌ. ومن يدري لعلنا نستطيع أن نحدث الفارق. لا أروي لك قصتي حبا فيها أو لأني أرى فيها أي عبرة أو عظة محتملة ولكن فقط هي شيء من ضمن أشياء جدت وغيّرت وجه الحياة كما كنت أعرفها، وكنت أنت أحد الذين ساهموا في ذلك دون أن يدري، تشكلت حياتي بأحلام جديدة، وجدت أن هناك من لا يهاب الموت ولا يخشى جلادًا يسابق عزرائيل في إرساله إلى اللحد.

كان مهما لمراهق في سني وفي سن أناس كثر أعرفهم أن تأتي عليهم الثورة؛ فالجميع كان مثلي يسير في الحياة هائما لا يدري كيف يحدث ذلك ولا أين سيحدث ولا متى، كل ما يهمه أن يسبر أغوار الحياة كما فعلها آباؤه وأجداده وعائلته.

يذاكر فينجح يلتحق بكلية ويخرج فيربط نفسه بأي وظيفة ثم يسافر إلى الخليج أعواما وأعواما، ثم يعود كما خزينة في بنك، ولكن لا يعود كما كان؛ يعود وقد أكلت الغربة عمره وصحته وأبدلت نشاطه وحيويته بخمول وكسل وثبطت هممه وعزائمه، وأصبح أقصى آماله أن يترك لأولاده ما يكفيهم ويقيهم شر السؤال.

ولكن جيلي وجد ضالته في الثورة؛ وجد أن هناك ما يستحق أن نعيش لأجله.

تخيل جيلا بأكمله يؤمن بأنه حين ينزل مظاهرة أو يشارك في اعتصام سيحرر وطنه. جيل عاد لجذوره الطيبة التي أفسدتها الأموال والثقافات الدخيلة. جيل يؤمن بعروبته ويحلم أن يكون جزءًا من وطن عربي موحد، جيل فُطِرْ على حب دينه وقيمه وتسامحه، جيل نسف تماما نظرية “المشي جنب الحيط” و”الحيطان ليها ودان” وأبدلها بالهتاف العظيم “يا نجيب حقهم.. يا نموت زيهم”.

جيل أدرك أن تلك الحياة لن يصبح لها داعٍ لو اعتبر صديقه الذي مات رقمًا في عِداد ضحايا الثورة وأصر أن يرى من قتله ومن حرض على قتله في قفص الاتهام. وسيظل ينزل وينزل وينزل حتى يتأكد أن الظالم تعذب ليس بعذاب الشهيد فالشهداء لا يُعذبون، بل بوحشته لدى أصدقائه والظَهر الذي فقده أبوه والبِر الذي فقدته أمه برحيله.

جيل لم يرَ أن التسعين مليون مصري ثمانية أرقام تراص الصفر في سبع خانات وبجانبه التسعة، بل رآهم تسعين مليون أخ وأخت وأب وأم وعائلة من لا عائلة له وسند من لا سند له. كل ذلك أنت صنعته حتى وإن أبى عليك تواضعك ألا تعترف بذلك.

ولكن أنا أقوله لك عن ثقة وعن تجارب عدة ولابد أن تصدق ما أقول، وتعي أن بغيابك الجميع يراجع نفسه لا في صحة اختياره لمعسكر من الاثنين فهذا لا رجوع فيه، إنما يراجع نفسه في جدوى ما يفعله وجدوى الوقت الذي اقتطعه من عمره ويشعر بالخزي من نفسه لأن صديقه يواريه التراب بينما هو مازال حيًا ومع ذلك يمشي كالأموات.

الثورة ليست مشوارًا عند البقال ممكن نروحه كل يوم ونرجع ولا يفرق معانا، الثورة هي المكان الأكثر جمالا ونقاء ومثالية في أحلام كل واحد فينا. المكان اللي ماحدش هيطلب منك حاجة ولا أنت هتحتاج تطلب من حد حاجة. الثورة جامعة غير مانعة، الثورة نهر ملعون لما بتشرب منه لأول مرة بتنسى أي حاجة أنت شربتها قبله ومابتقتنعش من بعده بأي حاجة تشربها. يا الثورة يا بلاش.

تخيل كدا إنك وديت طفل لأكتر مكان هو بيحبه بعد كدا منعته عنه لمدة طويلة وقلتله انساه ومستحيل هتروحه تاني الطفل دا هيطلع معقد وهيكرهك. لا يصح أن تلوم شخصًا على سعيه ليصبو إلى أحلامه ولا أيضا أن تلومه على أنه يأس، ولكن يصح جدا أن نلوم الأيقونات التي أغرتنا بالحلم دون خوف، وحين كنا نريد أن نستيقظ كانوا ينهروننا ويطالبوننا بالاستمرار في الحلم.

في أواخر الستينات حين اندلعت مظاهرات الطلبة في جامعة السربون كان من أبرز الشعارات التي طبعت ووزعت وألصقت: “كونوا واقعيين: اطلبوا المستحيل”. لا تيأس وعُدْ فأنت لا تمثل نفسك، أنت تعبر عن مجموعة ليست بالبسيطة من الشباب الذين هبطت عليهم فجأة بمفاهيم قديمة بروح جديدة، إنهم كانوا يسمعون من الجميع عن حرمة الدم والعدالة الاجتماعية والاهتمام بمحدودي الدخل.. إلخ، ولكن بك رأوا أن تلك المفاهيم قابلة للتحقق وليست مجرد سطور في جريدة قومية يستخدمها رئيس تحريرها لنفاق وتزلُف الحاكم بأمره، أنت غيّرت جيلًا بأكمله وقلبت رؤياه ومفاهيمه ونظرته إلى ما حوله.

• من وجهة نظري فإن أكبر تحدٍ واجه الثورة خلال العامين ونصف الماضيين كان جولة الإعادة بين مرسي وشفيق والإحباط الذي أصاب العديد وكنت أنا منهم، حيث انتخبت في الجولة الأولى حمدين صباحي وفوجئت كما فوجئ المصريون جميعا بصعود أسوأ مرشحّين؛ الأول يتبع جماعة لحقت بقطار الثورة متأخرًا وتفننت في عقد الصفقات مع المجلس العسكري حتى ولو كان ذلك على حساب دماء شهداء ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وبورسعيد.

والثاني شخص يمثل نظامًا لا يعترف بالثورة أصلا ويعتبرها فعلا فوضويا يهدف إلى تقويض دعائم الدولة وقتل الاستقرار، وكان رئيسا للوزراء إبان موقعة الجمل، وكان غالبية المصريين من كافة الانتماءات والأطياف كانوا قد فوجئوا بتلك النتيجة ولكن كنت عكس الغالبية العظمى تدعو الجميع إلى التماسك وتوحيد الصف واختيار أي قرار.

وأذكر أنك وقتها رويت قصة زواجك منذ أن كنت طالبا تحلم بأن تتزوج حين تبلغ العشرين وفي سبيل ذلك تقدمت للعديد من الأسر التي اعتبرتك طفلا يلهو ولم ترض بك، ثم تعرفت على زوجتك عن طريق الموقع الذي كنت أنشأته وفي النهاية تزوجت حين بلغت العشرين كما كنت تتمنى.

لا شك أن ما تمر به الثورة وشبابها ومكوناتها أخطر بكثير حيث خلع الجميع قناع الثورية الذي كان يجب عليهم أن يرتدوه كي يتمكنوا من أكل العيش، وكشفوا عن آرائهم دون مواربة أو خوف أو تجميل، فيصرح أحدهم أن ما حدث كان مؤامرة عالمية، والآخر أنها كانت حركة فوضوية صنعتها الصهيونية وساعد في تنفيذها عملاء الداخل والخارج، والمثالية التي تعاملت بها الثورة حين نجحت مع خصومها الفكريين لم يشفع لها حين انتكست فنهشها الجميع.

ولكنك تعلم أكثر مني أنه لا ثورة دون مصاعب وعقبات وأنك بالتأكيد حين كنت تحلم بتغيير مصر للأفضل لم تكن تتوقع أن تجد جموع المصريين تلوح بسواري 6إبريل وتهتف بأسماء شباب الثورة، فأنت تعلم أن نسبة الجهل في مصر مرتفعة للغاية وأن تأثير أبواق الإعلام تفوق كثيرا تأثير فرد واحد صادق.

• انتهيت من قراءة كتابك منذ حوالي شهر، وما شجعني على قراءته هو انقطاعك المفاجئ عن الحياة العامة حين كان مهما بالنسبة إليّ أن أرى الجذور التاريخية لك، وما حدا بك إلى أن تفعل ما فعلت وكيف تمكنت من ذلك، وذهلت من كمية إنكار الذات والتواضع والاعتراف أن كل ذلك لم تتخيله وأنك ظللت تدير ((كلنا خالد سعيد)) بشكل مجهول لخوفك من أن تتعرض للإيذاء أنت أو عائلتك، وكانت فرصة ذهبية لك في ذلك الكتاب إن كنت تنوي سوءًا أن تنسب كل الفضل لك، ألا تذكر أي اسم سواك.

أن تدور في دائرة التاريخ وتلعب وفقًا لقاعدته الذهبية التي تنص على أن الفائز يكتب التاريخ كما يحلو له. أما أنت فلم تفعل بل كان “الثورة 2.0” بمثابة تأريخ واضح لكفاح جيل وائل غنيم من الشرارة الأولى وحتى ماظننته الانتصار الأعظم.

ولكن دعني أعاتبك أنك آمنت بالشعب واعتقدت أن الثورة بمثابة قطعة الدومينو الأولى التي ما إن تسقط حتى تلحق بها باقي القطع، أما الآن فكان يجب عليك فهم طبيعتهم التي تميل إلى المداهنة في مقابل أكل العيش.

لا تيأس ولا تحزن وعد.

فالكثير ممن آمنوا بك وبنبل دعواك يؤسفهم أن تخبو هكذا. تقبل تحياتي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد