لطالما عرفت أفعانستان عبر التاريخ بأنها مستنقع وقعت فيه كل الإمبراطوريات التي حاولت السيطرة على تلك البقعة، المحمية جغرافيًّا بتضاريس وعرة صعبة الاختراق، والمحاطة بتعقيدات ديموغرافية واجتماعية تجعل من المتعذر قيام نموذج داخلي طبيعي لدولة مستقرة، فما بالك أن يحاول أحدهم فرض منظومة حكم أجنبية وبالقوة مثلما جرى خلال العقود الماضية، بدءًا بالطموحات الشيوعية السوفيتية وانتهاء بمشروع الديمقراطية الليبرالية الذي جاءت به الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، وحتى نموذج التطرف الإسلامي العالمي ممثلًا بالقاعدة وبقية التنظيمات الدولية لم ينجح في الاستقرار والنماء بشكل دائم على هذه الأرض؛ أي بمعنى آخر لقد تم لفظ كل شيء لا يمت بصلة إلى التكوين الداخلي الأفغاني.

وإضافة إلى هذه الفرضية التي أكدتها الأحداث، فإن المشهد الأفغاني بتطوراته الأخيرة يبعث برسائل عديدة للمتابعين يمكن استقاء دروس منها وعبر وإضاءات حول الواقع الدولي الحالي وفي السنوات المقبلة. أولى هذه الرسائل،«أن المتغطي بالأجنبي عريان»، فلا يمكن لمن جاء على ظهر الدبابات الأجنبية أو المحتمي بها أن يهنأ بوضعه إلى ما لا نهاية، وستأتي اللحظة التي يقرر فيها الأجنبي المغادرة ويصبح أقصى طموحه هو مكان في طائرة الانسحاب، وحتى لو كانت قضيتك عادلة كالبحث عن الحرية والعدالة وحياة أفضل، ومحاربة التطرف والهمجية، فالوسيلة الأجنبية غير مضمونة العواقب والأوطان قد تسامح على كل الخطايا إلا خطيئة الخيانة، ومقاومة الاحتلال ستظل إحدى القيم الكونية غير قابلة للزوال في كل زمان ومكان.
الرسالة الثانية، لا يمكن تغيير ثقافة شعب وواقعه الاجتماعي باستثمار مليارات الدولارات، أو فرض نموذج بالقوة العسكرية، ذلك يعني أن زمن أمريكا التي تستيقظ باكرًا «l’Amérique qui se lève tôt» من أجل إرسال قوات المارينز لنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان لم يعد واقعيًّا، فلا تسطيع قوة على وجه الأرض مهما بلغت شدتها أن تغير مقادير حياة الشعوب إذا لم تكن البيئة في حد ذاتها جاهزة ومستعدة لاستيعاب التغيير المنشود. الرسالة الثالثة، الهدم أسهل من البناء، فمثلما سقطت حكومة طالبان سنة 2001 في بضعة أسابيع، سقط النظام الأفغاني الجديد في بضعة أسابيع أيضًا، بعد الفشل في بناء دولة قوية تستند على أركان صلبة، وستفشل حكومة طالبان الجديدة أيضًا في حكم أفغانستان وتحقيق الاستقرار، إذا استمرت في الاعتماد على المنطق البالي نفسه الذي سيرت به الأمور في السابق، وخصوصًا في بلد متعدد الأعراق ويشكل فيه الشباب نسبة كبيرة جدًّا، وهم يبحثون عن التقدم إلى الأمام لمسايرة العصر، ولا يرغبون في العودة إلى القرون الوسطى.

الرسالة الرابعة، أمريكا دولة مؤسسات، والتوجهات الإستراتيجية الكبرى للسياسة الخارجية تتغير حسب المصالح الأمريكية وليس بتغير الرؤساء، فالموقف الأمريكي من الانسحاب من الشرق الأوسط وإنهاء الحروب التي دخلتها، هو موقف مؤسسي وليس نزوة ترامبية عابرة، ولا يعني ذلك الهزيمة مثلما يدعي بائعو الأوهام من محللي محور الممانعة، لأن الفشل الأمريكي في أفغانستان يتعلق بالأهداف المعنوية للغزو غير قابلة للتحقيق، مثلما أشرنا سابقًا، وهي خلق مجتمع موالٍ للثقافة الأمريكية في قلب آسيا الوسطى، أما المكاسب التي حققها المجمع الصناعي العسكري الأمريكي خلال 20 سنة وكعكة إعادة الإعمار في دولة تقوم على الليبرالية المتوحشة وسطوة الشركات الكبرى على صناعة القرار، لا تسمى هزيمة، فما حدث على الأرجح هو استيقاظ لتوجه واقعي عميق لدى المؤسسات في واشنطن للدفاع عن المصلحة القومية للقوة الأمريكية
وتنافسيتها، وإن على حساب المصالح الاقتصادية للشركات، أو الالتزامات الأخلاقية تجاه الحلفاء.

الرسالة الخامسة، لم تكن سيطرة طالبان على الوضع إلا نتيجة طبيعية لاتفاق الدوحة سنة 2020؛ أي هو ثمرة مسار متكامل وليس حدثًا عابرًا أو مفاجئًا، حيث وجدت أمريكا أن أفضل استثمار مستقبلي في الساحة الأفغانية المليئة بالثروات سيكون بطريقة غير مباشرة، وتقوم المقاربة الأمريكية على تسليم الحكم لأقوى فصيل على الأرض، والذي ينتمي إلى مجموعة البشتون المتحكم بها من طرف أحد الحلفاء، وهو باكستان، والقادرة على تشكيل إمارة إسلامية لا تشكل خطرًا أمنيًّا على مصالح الولايات المتحدة، كما أنها ستتحول إلى نموذج لاستيعاب حركات الإسلام السياسي بعد فشل التجارب الإخوانية في الشرق الأوسط ، وبمقابل ذلك ستكون طالبان بإرادتها أو دون ذلك جزءًا من السياسة الأمريكية لاستدراج الصين وروسيا لمستنقع الفوضى، بينما تبتعد أمريكا بآلاف الأميال عن الساحة، لأن بكين وموسكو ستحاولان التدخل في المشهد الأفغاني لملء الفراغ، أو استباق المخاطر الأمنية التي تحدق بهما، وأبرزها احتمالية تشكل حزام ناري إسلاموي يستلهم من تجربة طالبان، يبدأ من إقليم تشينجيانغ الصيني، ويمر عبر الحركات الإسلامية في الجمهوريات السوفيتية السابقة، وتورطها في بيئة أفغانية صعبة ومهددة بالحرب الأهلية في أي لحظة ستكون عواقبه وخيمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد