ليسَتْ الفكرةُ مِنَ الفيلم تقديم الغَبَاءِ بطريقةٍ ذكيّةٍ، ولا فَضْحَ الطرق التي كانت تنوي إسقاط البطل غير المُدرك لِمَا حَوله، ولا انتصارَهُ رغم ضعفه، وتقديم أنموذج لشخص محدود في قُدراته ليستْ لُبَّ الفيلم، فالرّسالة أعمقُ وتبقى خفيّة وراءَ الفكرةِ. ولعلَّ روعة الفكرةَ تكمنُ في إيمانك بها، وتقديمها في إطارٍ بسيطٍ فِيْهِ الكثيرُ من البراءةِ، ويَنمُّ عن سلام النفسِ، ومشاعرِ الحُبِّ الحقيقيّة الخفيّة.

تبدأ قصّة الفيلم بريشةٍ تتمايلُ وتتراقصُ في الفضاءِ، تَهبطُ على كتفِ من يقطع الطّريق، ويتركها لتعود مرّة أخرى إلى رقصة الهواءِ خاصتها قبل أن تسقط على قدم «فورست»، الذي يَحْتَضِنُهَا، ويحتفظُ بِها في حقيبته، قد تكون تلك الرّيشة هي فرصةُ قد تأتي إلينا رغم أننا لا نراها، ولا نشعرُ بها، ولا نستثمرها.

لتعودَ فكرة النجاح، رغم كل العواقب، ورغم الضّعف ومحاولات التدمير والتشكيك والمؤامرات التي تُحَاك. قد يَعتَبِرُكَ الناس غير أهلٍ للنجاحِ، ولا يرون فيك إلّا الضَّعف، لكنّك عندما تنتصرُ تغيّرُ مفاهيمَ الانتصارِ.

فورست «بطل الفيلم» لم يكن بطلًا، لكن نجاحه جاء لأنَّه لم يحمل أيَّ حقدٍ أو ضغينةٍ تجاهَ أحدٍ، وأعتقد أنّها فكرة أثّرت فيَّ إلى حدٍّ كبير، ففكرةُ النّجاحِ تتحدث في هذا الفيلم عن شخصِ لا يحمل، ولا يثقلُ نَفْسَه بأيِّ حقد أو كره.

ويَجْمًعُ الفيلم بين الرومانسية والكوميديا والدراما، تحزنُ وتَضْحَكُ ثمَّ تبكي، وتضحك أخيرًا على «فورست».

ويحمِلُ الفيلم بُعدًا إنسانيًّا لشخص تلقائي اعتادَ منذ نعومة أظفاره على والدته، والتي يُظهر لنا نصائحها، دون أية إشارةٍ إلى رأيهِ الشّخصيّ الذي لم يكن له وجود في الفيلم.

وقد قدّم «توم هانكس» في هذا الفيلم أحدَ أروعَ أدوارهِ، وأخذ الكثير من الإشاراتِ من الطّفل «لهالي جويل» الذي قام بدور «فورست الطفل»، ونجدُ أنَّ «هانكس» استفادَ منه بطريقة كلامه، وحركاته، وحتّى بإيماءات رأسه.

وجاءَ تدفق الأحداث بشكل مُتًسًلْسِلٍ ومتناغم، إضافةً إلى الأسلوبِ، وما توفّر من تأثيرات وإضاءة وملابس لتُحْكِمَ من سبك العمل، خاصّةً بيدِ مُخْرِجٍ عبقريِّ كـ «ريمكس».

والذي جَعلنا نرى الجّانب الإنساني الرّائع هو الأداء الموهوب لـ«توم هانكس»، وأداؤُهُ المتقن، لشخصيّة «فورست»، وخاصةً عندما يكونُ إلى جانب أمّه وحبيبته، ليِحدّثنا عن أنموذجٍ إنسانيٍّ حَمَلَ كل معاني النجاح والفشل، السقوط والنهوض، في قراءة فلسفيّة للنفس البشريّة بكل ما فيها من خلال أحداث واقعية لنماذج حقيقيّة في المجتمع.

وأعطانا الفيلم درسًا في الحبّ، والنقاء، والنجاح في وجهِ الحِقْدِ، والسّخريّة التي لا ترحم حتّى الضعفاء غير القادرين على الدّفاع عن أنفسهم، وقدرة الفيلم تبرزُ في أنّه نَفَذَ إلينا عبر أخطائنا مباشرة، لتتغيّر نظرتنا إلى الأمورِ، وكثير من الأشياء حولنا.

ريشةٌ بدأت الفيلم، وبها انتهت، تمايلت في الأثير، تراقصت بخفّة هبَطَتْ على قدم «فورست جامب»، وانتهى الفيلم بتطايرها بعيدًا عنه، وبها رسم «توم هانكس» حياةَ إنسانٍ ابتلي بإعاقة، ورغمًا عنها عاد ليقدّم دروسًا في الحبّ، والتَشّبث بالحياةِ، والإصرارِ على التقدّم رغم كل الظروف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

توم هانكس
عرض التعليقات
تحميل المزيد