حاول أحد الشباب الانتحار، معلقًا نفسه بأحد جسور مدينة طرابلس الغرب التي شهدت حدة صراع الفترة الماضية، في بلد كليبيا تتقاذفه الصرعات، سيمر هذا الحدث عاديًّا جدًّا.

من جانب آخر تعيش المدينة حالة طفرة استهلاكية (إذا توافرت السيولة) تجاه ثقافة الأكل المتزايدة، بشكل يعد فيه (استهلاكًا شرهًا).

أضف لذلك الصور المنتشرة (لعناصر الميلشيات) التي تحكم طرابلس، والتي تضم بينها الكثير من صغار السن من لم تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة.

مع كل هذه المظاهر تبدو دائمًا مدينة طرابلس الأكثر تحضرًا في المدن الليبية، وتستطيع نوعًا ما تجاوز أزماتها والعيش بتوافق، يعتمد على قبول الجميع، ولم تشهد مظاهر (صادمة) ظهرت بمدن ليبية أخرى وإن لم يكن من سنوات الحرب إلا أننا كنا أبرز ضحاياها، سنوات أعمار تمضي وقدرات مهدورة تستهلكها حدة الصراع وإن لم تمض بها إلى الموت في أشد حالاتها.

فالجميع يعيش ظاهرتين متلازمتين، توقف مظاهر البناء والحضارة على الصعيد المؤسسي والفردي، تراجع المنظومة الأخلاقية والقيمية أيضًا على المستويين المؤسسي والفردي.

إن ظهور نجاحات فردية تحيا طويلًا، يعتمد على قدرة الفرد على الانعزال من حدة الصراع ويسلك ثقافة (المنفعة)، وأيضًا فرص عدم انهيار منظومة الأخلاق والقيم والسلوك الحضاري في المجتمع يعتمد بل بحاجة إلى انتشار ثقافة (المعرفة النفعية).

ما هي (المعرفة النفعية)؟

هي قدرة الفرد والمجتمعات على اختيار ما ينفعهم فقط، من كل ما هو متاح أمامهم هي استخدام ومنح المعلومات النافعة لي ولغيري فقط.

سماتها أنها ثقافة مجانية متاحة، لا يحتاج إلا أن تسأل نفسك هل سلوكي هذا فيه منفعة أم لا؟ أيًا كان هذا السلوك في كل مظاهر حياتك حتى مواعيد النوم وطرق الأكل وشراء الملابس والإذاعات التي أتابعها والمعلومات والمعارف التي أتلقاها والأشخاص الذين أتعامل معهم، أن تضع كل البيئة المحيطة حولك تحت سؤال هل تنفعني أم لا في المدى القريب والبعيد؟ وأنت وحدك سوف تتعلم مهارة الحكم على كل ما حولك، وربما سنذكرها بمقال منفرد (إنسان حر).

إن السلوك تجاه الحياة والأحداث، مبني على المعارف والقيم والأخلاق والمفاهيم التي أتلقاها أو أمنحها للآخرين.

كيف أكون إنسانًا حرًّا سعيدًا حضاريًّا أخلاقيًّا، كيف أكون إنسانًا نفعيًّا؟!

يقول عدنان إبراهيم، إن العالم اليوم أصبح يعيش (سيولة معرفية) تجعل كل شخص يستطيع أن يتعلم ما يريد ويحصل على ما ينفعه.

العالم اليوم وبلدان العرب تضخ صراعاتها كمية معلومات ضخمة وهائلة ومتجددة، ولكن لقياس اتجاهات هذه المعارف المقدمة وإلى أين تقود المتلقي، لنحدد ولتتعرف على أسباب انحدار السلوك الأخلاقي والقيمي داخل مجتمعاتنا وأيضًا حالة الركود وهدر القدرات والأعمار واستنزافها في صراعات هم أكبر ضحاياها.

فئات المجتمع التي تصنع المعرفة وتتلقاها ثلاثة أنواع:

1- الأولى مؤدلجة تخدم حدة الصراع، مثال القنوات الفضائية المرئية الليبية مثلا جلها قنوات خاصة تخدم أهدافًا ومصالح سياسية لملاكها وأن تنتصر لقضيتها، هذه القنوات لا يعنيها مصلحة المواطن بالقدر الذي يعنيه لها أن تفرض وجهاتها وتقنعه بها، أضف إلى ذلك سيلًا من الصفحات والأشخاص ضمن مواقع التواصل الاجتماعي الذين ينتمون للتيارات المتصارعة وينقلون ما ينصر توجهاتهم، يتبعهم في ذلك المثقفون والمفكرون والإعلاميون ومؤثرو صفحات التواصل، بل الدعاة أيضًا حتى أنك لتجد من النادر، داعية لا يحمل توجهًا (أيديولوجيًّا) ويستخدم موروثه العلمي لنصرة قضيته، والمجتمع وانهياره الخلقي والسلوكي الذي يبدو من أشد الساحات التي تحتاج الإصلاح، يتجاهلها دعاة العلم، بل يمارسون ثقافة تساهم في انحداره.

2- الفئة الثانية: الفئة الاستهلاكية، من اختارت أن تستمتع بحياتها وتدخل ضمن نطاق، الشهرة والنجومية بشكلها العالمي، هذا مثال نجد كثيرًا من رواج صفحات (الموديل العالمي) نعني بها الصورة والنموذج الحاد والغريب جدًا في ثقافته، التي هي أساسًا للترفيه والمتعة والخروج من حالة الركود التي تعيشها البلاد.

3- الفئة المعتزلة عن ساحات الحرب والاستهلاك المعيشي والتي لربما الأكثر ضررًا من حجم المعلومات المؤذية التي تضخ في صفحات التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل المعلومات والمعارف، هي الفئة التي عاشت ضغوطات الحرب وكانت إحدى ضحاياه، انتشار كبير جدًّا وغير مسبوق لكافة أنواع (الخمور والمخدرات)، حالات الطلاق المتزايدة في الارتفاع والتي تدل على تفكك أسري واجتماعي، وانحدار الذوق العام للمجتمع، التجاوزات القانونية، التغيب الوظيفي، وغيرها الكثير جدًا بنسب مرتفعة من انهيار السلوك الأخلاقي والقيمي والحضاري.

تعيش ليبيا وغيرها من بلدان العرب حالة انحدار شديدة في انهيار السلوك القيمي والأخلاقي والحضاري الناتج من حدة الصراع والهروب من الضغوطات التي يعيشها الفرد يوميًّا، والتي زاد حدتها المعلومات والمعارف المؤذية والتي تضخ في اتجاه استهلاك المواطن من عمره وقدراته وطاقاته التي كان لها أن تتجه في اتجاه (نفعي له ولغيره) إذا أتيحت له معارف ومعلومات نفعية تساعده في حل أزماته وتجاوز مشكلاته وعدم تضخيمها والبحث عن حلول علمية وعملية لها، وأن لا يكون جزءًا من خطط الآخرين، بل يكون ضمن خطة حياته فقط وتوصله إلى السعادة وتحقيق مصالحه ضمن كل الضجيج الذي تفرضه البيئة المحيطة به.

مشهد تاريخي للمعرفة النفعية

عانت مصر في أحد أزمنتها مجاعة شديدة وغلاء أسعار ضاق الناس به ذرعًا، وأصابهم الحزن والهم، وتضجروا عن حملانه، فألف حينها المؤرخ التقي (تقي الدين المقريزي) مؤلفًا عن تاريخ المجاعات بمصر منذ خلق آدم إلى حين إتمام مؤلفه، يتميز بالآتي:

  • عزز فيه المقريزي القيم الإيمانية وذكرهم بسنن الابتلاء والمحن التي يتعرض لها الإنسان والمجتمع، وأن المجاعة ابتلاء من الله، وعليهم أن يصبروا.
  •  عزز لديهم القدرة على تجاوز الأمر بسرد تاريخ كل المجاعات التي مرت بمصر، وأن هذه ستمر كسابقاتها، بل سردها باعتباره مؤلفًا رفيعًا (موسوعة تاريخية شاملة) نقل فيها تفاصيل المجاعات السابقة وتاريخها وحال الناس فيها ووضح لهم أسبابها وسبل تفاديها مستقبلًا، ووضح لهم كل مجاعة وكيف تم علاجها.
  • .وضع لهم حلولًا عملية لتجاوز المجاعة والمشكلات الاقتصادية التي تمر بها البلد، عن طريق دراسة كاملة عن السوق وأسعاره، ومصادر الدخل، ومصادر الصناعة والإنتاج بمصر وكيفية استغلالها واستثمارها.
  • ما قدمه تقي الدين المقريزي لمصر في تلك المحنة هو لب (المعرفة النفعية) عندما تراجع للوراء، وعندما بحث السوق وقرأه وعندما عزز إيمانه بالدعوة للتوجه لله وإزالة سبب البلاء، أيضًا قدم قاعدة للفهم والتعامل مع الأزمات، إن أشد ما تمر به الآن ويمنعك من المضي بحياتك ويزعجك إنما يصوره لك ذهنك القاصر عن الفهم وقلة صبرك وضعف عقلك، وأنه لو تفكرت قليلًا لعلمت أنك قد مررت بما هو أسوأ وأنه مضى.

شخصية تقدم (المعرفة النفعية) كالمقريزي هو ما نتمناه، كل ضمن قدرته ومجالاته، من يستطيع تدعيم الأخلاق والسلوك الحضاري، من يستطيع أن يدعم العلم ويقدم لنفسه وللمجتمع علومًا نفعية، من يستطيع أن يقدم فكرًا نقديًّا صحيحًا يبحث عن تصحيح الفهم والرقي الإنساني، كل ذلك متاح جدًا أمام سيل المعلومات المتدفق من العالم، ولكننا نحتاج أن نتعلم كيف نتحول إلى (نفعيين).

الحد من هذا التدني والانزلاق المتتابع في سلوكيات أفراد المجتمع في كل البلدان التي تشهد صراعات وقلاقل، يحتاج فيه المجتمع إلى رافد يمنع انزلاقه، هذا الرافد قد يكون ثقافة جديدة توجه سلوكه واعتقاداته وتمنحه حلولًا تعالج أزماته اليومية، وتمنحه قدرة العيش بطريقة أخرى تجعله إنسانًا حضاريًّا أخلاقيًّا سعيدًا، وسط كل هذا الضجيج الذي يعيشه، هذه الثقافة السلوكية الحضارية تقدمها ما نسميه بـ(المعرفة النفعية).

يقول البديري أنه في أربعينات القرن الثامن عشر ظهرت مجموعة من النساء بدمشق في مظهر صادم للمجتمع الدمشقي المتحفظ الذي ترتدي نساؤه ملابس محتشمة ولا يختلطن كثيرًا بالرجال، ظهرت هؤلاء النسوة في موكب احتفالي لشفاء عشيق إحداهن وهن يحملن الأبخرة ويتغنين.

كانت إحداهن وتدعى سلمون فاتنة تمشي بشوارع دمشق فاقدة للوعي وتهجمت بأحد المرات على قاضي المدينة فتم سجنها ومحاكمتها منعًا للفتنة، ولكنها لم تنته، لأنها كانت تحتاج إلى ثقافة ووعي يعالج حالة تدني الأخلاق العامة في تلك الفترة.

ويعزي البديري ذالك بقوله (إن انهيار النظام العسكري، وجشع الولاة، أديا إلى تدني الأخلاق العامة).

ويقول ابن الأثير في البداية والنهاية (ارتدت الناس وارتدت العرب إلا المسجدين مكة والمدينة المنورة) بعد خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فخرج حينها أبو بكر وثبت الناس.

في منتصف القرن العشريين بعد هزائم العرب مع الإسرائيليين، ودخول وانتشار الثقافة الأوروبية، انتشرت موجة إلحاد واسعة بمصر، كانت نتيجة الهزيمة النفسية التي تعيشها الأمة.

يحتاج الإنسان وسط القلاقل وخارجها إلى سلوك ما ينفعه، وأن لا يضيع في مهب العواصف والمتغيرات.

من يصنع المعرفة النفعية ومن يستفيد منها:

– إنسان حر نفعي. 

– مثقف باحث حر.

– داعية  نفعي. 

– إعلامي حر.

– مؤسسات تطوعية نفعية حرة.

أن يمتلك هؤلاء أدوات ومهارات وأن يؤمنوا أن الحرص على سلوك المنفعة فقط ما يجعلهم سعداء ويمنحهم القدرة على تجاوز الأزمات والمشكلات، والبحث والتعلم من كل (السيولة المعرفية) واستخدامها في كل حياتهم، لا يمكن للإنسان أن يعيش سعيدًا وهو جزء من ضجيج وانهيار ضخم يخوضه المجتمع ومتغير باستمرار، سوف تنقضي سنوات عمره، عودًا تشتعل به الحروب ويحرق نفسه وغيره لمصلحة لا تخدم إلا تيارات متصارعة لم يكن جزءًا ولا سببًا فيها، وليست له قدرة تغيير الأحداث، ولكنه يستطيع أن يغير حياته ويختار الأفضل له ولغيره، بمعرفة مجانية تمنحها الشبكة العنكبوتية من علوم ومعارف تساعده لتكون حياته أفضل وأسعد.

نحن في ظل هذه الفوضى لا نحتاج ثقافة نفعية فردية فقط، بل بحاجة إلى تعميمها لدى كل شخص مؤثر بالمجتمع، أن يخرج من بوتقة الصراع، ويحاول أن يقدم المعلومة والمعرفة النفعية لمجتمعه وأن يسأل نفسه مرارًا، هل ما أفعله تجاه نفسي والآخرين ينفعني وينفعهم، أم أنك فقط جزء منتفع به دون أن أعلم؟! ومصدر ضرر لنفسك وللآخرين.

ردد دائمًا واجعله سلوك حياتك (اللهم انفعني وانفع بي، واجعلني مباركًا أينما كنت).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

إغاثة الأمة بكشف الغمة . تقي الدين المقريزي
مختصر البداية والنهاية لابن كثير ص 188
العرب ل روجين يوجان ص 62
عرض التعليقات
تحميل المزيد