(1)

إن هذه اللحظة المشؤومة من تاريخنا لها ما بعدها، ودوام الحال من المحال، ونحن نثق في الله أنه لن يضيعنا، وإنه – وإن كثر الخبث – فإن مئات الآلاف من المصريين نحسبهم قد أروا الله في انفسهم خيرًا ووقفوا في وجه الطغيان رغم كل الابتلاءات، وأن من ورائهم عشرات الملايين من المصريين تنكر قلوبهم الباطل وتختلف وسائل تعبيرهم عن ذلك بين منكر بلسانه ومنكر بقلبه آخذ بأضعف الإيمان، لذلك كلي ثقة أن مع العسر يسرًا كما أخبر رب العزة.

 

 (2)

ولما فاجأتنا ثورة يناير 2011 وسقط رأس الظلم بكرم من الله لم نكن كثوار مهيئين لا نفسيًا ولا فكريًا ولا خططيًا لتلك اللحظة، ولم يكن قد فرز فينا الغث من السمين، فكان ما كان من دوران الدائرة على الفئة المصلحة في هذا البلد وعودة الفراعنة.

 

(3)

والآن يتساءل الكثيرون – خاصة مع اهتزاز عرش الفرعون – عما هو قادم، وهل ستفاجئنا اللحظة الفارقة مرة أخرى ثم تغادرنا ونحن جاثمون؟! يتساءل المتسائلون دون أن يجدوا جوابًا لأسئلتهم: ماذا عندما يسقط هذا العهد، ماذا نحن فاعلون في موضوع تطهير المؤسسات، وماذا نحن فاعلون مع الدولة العميقة، وماذا نحن فاعلون مع أهلنا الذين ظلمونا، وماذا نحن فاعلون في ملفات حقوق الإنسان، وفي أمور الديموقراطية والأحزاب وبقية الأمور السياسية، وكذلك الملفات الاجتماعية والاقتصاية وغيرها، أسئلة تحتاج منا إلى وقفة وإجابات تفصيلية قدر الإمكان، حتى لا تأتينا اللحظة ولا تجدنا مستعدين، ولو بمشاريع خطط على الأقل لا أقول بخطط محكمة، لذلك فكرت أن أقدم محاولتي لإجابة تلك التساؤلات في سلسلة مقالات، وبالله التوفيق.

 

(4)

لا شك أن نقطة البداية الحتمية هي تطهير المؤسسات الأربع، الجيش والشرطة والقضاء والإعلام، وستتوقف طريقة التطهير على الطريقة التي يسقط بها العهد الفاشي الحالي، هل سيسقط بثورة شعبية أم بانقلاب يقوده (سوار الذهب) المصري.

 

(5)

في جميع الأحوال ستكون متطلبات اللحظة الأولى هي إصدار إعلان دستوري باعتبار دستور 2014 كالعدم، لبطلانه شكلًا وموضوعًا، وصدوره من عهد فاشي وبلجان انتقائية وما شاب إقراره من تزوير واضح لإرادة الناخبين. ثم يسند إلى الرئيس الجديد سلطة إصدار الإعلانات الدستورية والتشريعات إلى حين إعلان عودة مجلس نيابي يمكن أن يتكون من أعضاء (مجلس 2012) عدا الأعضاء الذين أيدوا الانقلاب العسكري فحكموا بذلك على عضويتهم بالبطلان.

 

 (6)

إذا جاء سقوط العهد على يد (سوار الذهب) المصري، فلا شك أنه من سيتحمل مسؤولية تطهير الجيش من العناصر الفاسدة التي تشكل عماد الدولة العميقة داخله، ولابد أن يمر هذا التطهير بعدة مراحل:

  • تشكل محاكمات عسكرية عاجلة لمحاكمة المتورطين من قيادات وضباط وافراد الجيش والشرطة في المذابح الجماعية التي ارتكبت بحق الشعب المصري، أما القيادات الثابت ادانتهم بحكم مناصبهم وبتحقيقات المنظمات المستقلة الدولية والمحلية التي استمرت لعام وحددتهم بالاسم فهؤلاء يجب الحكم عليهم على الفور وتنفيذ الحكم في اليوم التالي، وأما القيادات الأخرى والضباط وغيرهم فيحكم عليهم بالإدانة أو يحكم لهم بالبراءة خلال مدة لا تتجاوز شهر.
  • كل من يدان بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية فإنه يعدم علانية في مكان ارتكاب جريمته وفي حضور بعضًا في اهالي الضحايا، وتصادر جميع أملاكهم لمصلحة (صندوق التعويضات) المخصص لضحاياهم، ويتم تجريدهم من الرتب العسكرية والنياشين كأن لم تكن يومًا، وبالتالي لا يصدر أي معاش لهم، ويتم تحويل مكافآت نهاية الخدمة المستحقة لهم لمصلحة (صندوق التعويضات).
  • كل من يدان بإنتهاك حقوق الإنسان والتعذيب (الذي لا يصل الى القتل) (ومنهم الكثير من ضباط الأمن الوطني وضباط الأقسام والسجون وبعض ضباط الجيش) توقع عليه أقصى عقوبة ممكنة، ويسجن في سجون عسكرية، ويتم فصله من الخدمة سواء من الجيش أو الشرطة، ويتم تجريده من الرتب العسكرية والنياشين كأن لم تكن يومًا، وبالتالي لا يصدر أي معاش لهم، ويتم تحويل مكافآت نهاية الخدمة المستحقة لهم لمصلحة (صندوق التعويضات)، ويتم تحويلهم من ناحية التعويضات المدنية لدائرة خاصة بذلك يحدد ما عليهم من تعويضات ويتم اداءها من أموالهم أو الحجز على ممتلكاتهم.
  • تتم متابعة دقيقة للحسابات البنكية والممتلكات للقادة والضباط من الجيش والشرطة، ويتم تحويل المشتبه بهم إلى محاكمات عاجلة، وكل من يثبت عليه الإدانة يتم فصله من الخدمة سواء في الجيش أو الشرطة، ويتم تجريده من الرتب العسكرية والنياشين كأن لم تكن يومًا، وبالتالي لا يصدر أي معاش لهم، ويتم تحويل مكافآت نهاية الخدمة المستحقة لهم لمصلحة ميزانية الدولة.
  • يتم إخراج كل المتحمسين للعهد الفاشي من الخدمة – مع حفظ حقوقهم في حالة عدم إدانتهم بجرائم – وتلغي أي ترقيات استثنائية يكون بعضهم قد حصل عليها، ويتم رد كل ما ترتب عليها من امتيازات.

 

 (7)

إذا جاء التغيير عن طريق ثورة شعبية فلابد أن يحتوي إعلان دستوري على أن تسند وزارة الداخلية إلى وزير مدني لفترة انتقالية مدتها عشر سنوات، أما إذا جاء التغيير عن طريق (سوار الذهب) المصري فتسند تلك الوزارة إلى أحد لواءات الجيش المصلحين لمدة عامين ليقود التطهير في تلك الوزارة ثم تسند إلى وزير مدني لتلك الفترة الإنتقالية المذكورة آنفًا.

 

(8)

يجب إقرار مادة (حقوق الإنسان) – وفقًا للمناهج والمقررات العالمية وللاتفاقيات الملزمة لمصر – كمادة نجاح ورسوب في الكليات العسكرية وأكاديمية الشرطة، ويتولى تدريسها وعملية الامتحان وإعلان نتيجتها جهات مدنية مستقلة، ولا يجتاز الطالب الكلية العسكرية أو الشرطية بأي حال من الأحوال ولا يدخل إلى الخدمة ما لم يكن ناجحًا فيها.

 

(9)

يجب دراسة صفقات السلاح التي تمت خلال العهد الفاشي، وفي حال ثبوت عدم جدواها يتم تدويل الأمر والضغط على الدول المستفيدة لحفظ الحقوق المصرية.

 

(10)

يجب دراسة حالة كل الذين تم ابعادهم عن الخدمة في العهد الفاشي، أولًا لإنصافهم، وثانيًا للاعتماد على الصالح منهم، لأن أغلبهم هم النواة الصالحة لتكوين دعامة التطهير، وما تم إبعاد أغلبهم إلا لأنهم أناس يتطهرون.

 

(11)

كذلك الحال في القضاء، يبدأ تطهير القضاء بعودة المبعدين وتمكينهم من مواقع المسؤولية العليا، فيتم – بإعلان دستوري – إعادة تشكيل المحكمة الدستورية العليا من هؤلاء القضاة، وكذلك مجلس القضاء الأعلى، ورؤساء المحاكم الكبرى، ويكون منهم الدائرة الخاصة بمحاكمة المدنيين المتورطين في:

  • جرائم الإبادة الجماعية (مثل رئيس الجمهورية وقتها ونوابه ورئيس مجلس الوزراء ونوابه والأعضاء المدنيين في مجلس الدفاع الوطني).
  • الجرائم ضد الإنسانية.
  • المشاركة في الانقلاب العسكري (مثل الأعضاء المدنيين الذين حضروا جلسة الانقلاب).
  • الفاشية (مثل المحرضين من القضاة والإعلاميين على قتل الخصوم السياسيين، وغيرهم).

 

(12)

يتم تحويل القضاة الذين حكموا على الأبرياء بعقوبات الإعدام الجماعية والذين ساهموا في التنكيل بالمواطنين بعقوبات مختلفة إلى المحاكمات، وتعتبر جرائمهم جرائم ضد الإنسانية، بينما تتم محاكمة القضاة المحرضين بتهمة الفاشية كما ذكر آنفًا.

 

(13)

يتم تكوين لجنة قضائية تراجع ملفات كل قضاة مصر ووكلاء النيابة من وقت تخرجهم، للتأكد من أنهم استحقوا مناصبهم دون أخذ حقوق زملائهم الأكثر تفوقًا، ويتم إبعاد كل من يثبت تصعيده للقضاء دون وجه حق، مع تحويله لدائرة أخرى لإلزامه بتعويضات مدنية للمتضررين، ويتم البحث عن المتضررين لتصعيدهم للقضاء، فمن ذاق الظلم سيكون حريصًا على العدل.

 

(14)

يتم تحويل جميع الإعلاميين في الصحف والقنوات الفضائية الذين ثبت قيامهم بالتحريض الأهلي وارتكاب جريمة الفاشية وهي العمل على القضاء على الآخر السياسي والتنكيل به إلى المحاكمات الخاصة على أن تصدر أحكامها بالإدانة أو البراءة خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر، ويكون الاستئناف من خلال دائرة أخرى تصدر أحكامها خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، ويتم إغلاق جميع القنوات والصحف التي قامت بالتحريض منذ يوليو 2013.

 

(15)

كل من تتم إدانته بتهمة الفاشية تتم مصادرة جميع أملاكه لصالح (صندوق التعويضات).

 

(16)

يصدر الرئيس إعلانًا دستوريًا بعنوان (إعلان إسقاط التهم السياسية) يسقط فيه جميع التهم ذات الشبهة السياسية التي أدين بها مواطنون مصريون منذ عام 1952، ويضع هذا الإعلان الدستوري ضوابط وأمثلة لتلك التهم، حيث تمت إدانة مواطنين بتهم مختلقة بينما تهمتهم الحقيقية في نظر تلك الأنظمة المتتابعة المفتقرة للعدالة كانت المعارضة، وتصبح تلك التهم في حال إسقاطها كالعدم سواء بسواء، ويعوض من سقطت تهمه ويعاد إلى عمله على نفس ما عليه أقرانه.

 

(17)

وتبعًا للفقرة السابقة، تكلف دائرة قضائية بدراسة حالة جميع السجناء منذ 3 يوليو، لفرز المتهمين السياسيين عن الجنائيين، والأخذ بقاعدة أن الشك يفسر لصالح المتهم، وأن المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته (ثبوتًا حقيقيًا يطمئن له الضمير)، وتنهي تلك الدائرة عملها خلال شهرين من تاريخه، على أن يتم الإفراج عمن تثبت براءته يوميًا.

 

(18)

يقوم صندوق التعويضات – والذي تتشكل ميزانيته من ممتلكات المدانين بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية والفاشية ثم من ميزانية الدولة إذا احتاج – بتعويض المضارين خلال العهد الفاشي وما قبله من سنوات رجوعًا إلى عام 1952 كالتالي:

  • القتيل (مليون وخمسمائة ألف جنيه مصري).
  • المصاب ومن تم تعذيبه (تقديريًا من دائرة قضائية بالنسبة والتناسب مع مبلغ تعويض القتيل، تبعًا للإصابة والتعذيب).
  • المعتقل (ألف وخمسمائة جنيه مصري عن كل يوم، وضعف هذا المبلغ في السجون سيئة السمعة كسجن العقرب وفي الأقسام، وأربعة أضعاف هذا المبلغ في لاظوغلي وأماكن احتجاز الأمن الوطني).

 

(19)

تنقل تبعية السجون من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل، ويقتصر دور الداخلية فقط على تأمين السجن، مثله في ذلك مثل أي منشأة حكومية يقتصر دوره على تأمينها دون التدخل في شؤونها، ويكون في كل سجن من السجون، وفي كل مركز محافظة، مندوب دائم من الجمعية المصرية لحقوق الإنسان (بعد تطهيرها وإعادة تشكيل إدارتها) يكون مهمته التأكد من استيفاء معايير حقوق الإنسان يوميًا، ويرفع تقريرًا أسبوعيًا إلى الجمعية ومثله إلى المجلس النيابي، ويكون من مهامه تلقي طلبات الزيارة الخاصة بمنظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية والموافقة عليها بمجرد الطلب وتسهيل عملها، وله صلاحية تحويل أي من العاملين بالسجن – وصولًا إلى مدير السجن – إلى دائرة قضائية مختصة في حالة الإخلال بحقوق الإنسان.

 

(20)

وفي المقالات القادمة إن شاء الله موعدنا مع رسائل أخرى إلى المستقبل تتعلق بالحياة السياسية والمحاور الاجتماعية والاقتصادية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد