“صلاة الفجر فى المسجد الأقصى”

 

كان صوت الأذان بمثابة إشارة للمتأهبين كي يخرجوا مخترقين الشوارع متحدين بردا شديدا، وخوفا تذبذبت رعشته داخل القلوب، انطلقوا صوب الحرم لتأدية الصلاة المفروضة.

 

6:05 a:m غزة

ما هذه الحرارة؟ ومن أين يأتى كل ذلك الغبار؟ هل هذه هي الغارة التي أخبروننا عنها! صوت رصاص يخترق الجواء، صوت طائرة مروحية يعلو ويهبط، يقترب ويبتعد، ألن ألعب اليوم مع زياد؟ لقد أنهيت واجباتي بالأمس، كان اتفاقنا أن نلعب اليوم، أين إخواتى حلا ومنى؟ أين أخى المجاهد سلامة؟ أين أنت يا أمي؟

دوى صوت انفجار شديد بالقرب من منزلنا، شعرت أن شيئا ما قد اخترق أذنى من شدة ما سمعت، ركضت نحو النافذة، شاهدت المروحية ترتفع بعيدا فى السماء تاركة خلفها بيتا تحطم فوق ساكنيه، إنه منزل صديقي زياد.

 

6:45 a:m القدس

كان الجميع جالسين في الساحة عقب انتهاء الصلاة؛ مترقبين حدوث شيء بين ثانية وأخرى، صاح يونس راكضا من عند النافذة في المجتمعين: “لقد جاءوا، ها هم عند أطراف الساحة” دب شعور غريب في نفوس كل المتواجدين من المستحيل أن تعطى له اسما! سل كل الخبراء النفسيين في العالم لن يجيبوك.

ارتفع صوت وطء الأقدام ناحية البوابة، هناك جمع من النساء قد اجتمعن عند يسار البوابة، ليس بإمكانك رؤيتهن؛ لكثرة الشباب الواقفين أمامهم كحائط صد فى انتظار الاقتحام، تراءى للجميع أن الشرطة الصهيونية تدعم أصحاب الضفائر والقبعات السوداء مثل كل مرة.

 

6:55 am غزة

دخلت أمي تهرول إلى منزلنا والدموع تملأ عينيها، كنت جالسا القرفصاء في انتظار أن تقتلني الطائرة التي قتلت زياد، صرخت أمي بخوف “وحيد وليدي”، ضمتني أمي إلى صدرها، حمتني لتركض بي، كان قدومها أمل يحييني دفنت رأسي في صدرها، وازداد تمسكها بي واحتضانها لي حتى أنه جال بخاطرى سؤال لم أفهم لما جاء: ماذا قصدت “بوحيد وليدي”، أين منى وحلا وسلامة؟

 

7:00 am القدس

المستوطنون الصهاينة، وقد زادت أعدادهم ينطلقون صوب بوابة الحرم بعدما تجمع الكثير من الشباب والنساء أمام البوابة على أمل أخير لمنع الكارثة المتكررة، كانوا يحملون في أيديهم هراوات، انطلقوا بها ضربا على المتواجدين، وأخذ الشباب يقاومونهم، ازداد وطيس المعركة اشتعالا، لم يدم طويلا؛ حيث تدخلت الشرطة الصهيونية؛ لتدعم جبهة المستوطنين وازداد الضرب تجاه المرابطين. وصلت مجموعة من المستوطنين عند البوابات وأخذوا يدفعونها، لكن هناك شيئا ما بالداخل منع ذلك!

 

7:00 am غزة

لقد كانت أمي دوما تخبرني أنني بأمان معها، وأنه لن يجرؤ أحدهم فى يوم من الأيام أن يقترب مني طالما كنت معها، كنت دوما أخبرها أنني صرت رجلا، وأنني أستطيع قتل الصهاينة، فكانت تضحك وتمتلئ أعينها بالدمع فى آن، أمى تركض بي الآن وقد غطت وجهي في صدرها؛ حتى لا أرى شيئا مما حولي، صوت الرصاص يعلو، من بينه سمعت صراخ أمي! ما ذلك السائل الذى ينزف منها على وجهى ؟ لماذا سقطت على الأرض؟ ردي علي يا أمي؟ أجيبينى يا أمي!

 

7:40 am القدس

قتلوا مصطفى وزياد والشيخ صلاح، أول من اخترقهم الرصاص حينما كانوا واقفين خلف البوابة لمنع الاقتحام، أعداد المستوطنين داخل المسجد كبيرة والإصابات بالعشرات من المرابطين.

 

8:00 am  غزة

أركض دون أن أعرف إلى أين تقودنى قدماى، أخذوا أمي في سيارة إسعاف، وأخبرني أحد المسعفين أنها ستكون بخير، رفضوا أن أركب معها؛ فليس هناك مكان يحملني فى السيارة. أنا أعرف هذا الشكل جيد. جندي صهيونى سوف أرميه بحجر، سأفعل كما أخبرني الشيخ رائد “بسم الله” نطقتها صارخا وأنا أرمي الحجر ليصيب أنف الجندي الصهيوني ويسقط على الأرض، هل مات؟ مازال يتحرك فى الأرض، كيف يموت هؤلاء هناك جندي آخر يركض مصوبا سلاحه نحوي، يبدو أنها النهاية.

 

9:00 am رفح الفلسطينية

انهيارات ترابية على الامتداد بعد إغراق الأنفاق بكميات كبيرة من المياه من قبل عسكر مصر، كان ذلك قبيل تصويت مصر لصالح عضوية إسرائيل فى الأمم المتحدة، في الوقت الذي أعلنت فيه الخارجية المصرية إدانتها للعدوان الإسرائيلى على فلسطين!

 

10:20 am الضفة الغربية

منشدو حركة فتح ينتهون من أنشودة جديدة بعنوان: “إزرع ليمون إزرع تفاح .. مقاومة سلمية بدون سلاح”!

 

11:00 am غزة

كتائب عز الدين القسام تعلن إطلاق ثلاثة صواريخ صوب تل أبيب.

 

12:00 pm نابلس

وقف على مسافة تسمح له أن يراهم من بعيد، كان يوسف فى تلك اللحظات يشعر أن سكينه ستكون قاتلة، ولن تكون مجرد إصابة، ركض بكل سرعة وانهال بالطعنات على جنديين صهاينة بجانب سيارة جيب عسكرية، سقطوا صرعى وارتقى هو شهيدا بأربع رصاصات اخترقن جسده.

 

1:00 pm مقر الأمم المتحدة

بان كى مون يعرب عن شجبه وإدانته واستنكاره للعدوان الإسرائيلي، ويطالب الأطراف المتنازعة بضبط النفس واللجوء إلى طاولة الحوار، لطالما كنت أحسد ذلك الرجل على وظيفته، يتقاضى راتبا من أجل الشجب والإدانة، أنا أيضا أحسن القيام بذلك!

من قال إن هناك نهاية، ستدوم ما طال العدوان، ومادام هناك نفس فى قلوب الأحرار، انتفاضة ثالثة أو رابعة أو حتى عاشرة، ليست العبرة بالأرقام، فليسقط العدوان، ولو بمائة انتفاضة وسكين وحجر وصاروخ بدائي الصنع. سلام على ملح الأرض.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد