أظن أن الذين يرسمون، ويكتبون، ويقولون شعرًا، والمصورين الذين لهم أعين تصطاد الصور المتقنة، وكل صاحب موهبة أشخاص لم يكملوا أشهر الحمل التسعة في بطون أمهاتهم! أظنهم استعجلوا الخروج، ليكتشفوا، وليلعبوا، ويرسموا، ويصوروا، مستحيل أن يبقيهم فضولهم في الداخل الضيق! ولو أبقاهم لحولوا أرحام أمهاتهم للوحة أو ورقة أو أعادوا ترتيب الهيكل بعد أن شوهه كبر حجمهم المستمر مع الأيام!

وإن أصحاب المواهب أناس ذوو رفقة حسنة، يسير معهم الطريق يكبر أو يصغر كما يريدون، ثم إنهم يجعلون من حزنك نصًا أو بيت شعر أو رسمة أو أغنية، يصيرونه بقالب أدبي جميل، ويخففون سواده  مرة يحولونه  لنكتة مضحكة أو قصيدة طويلة  تقف بها على الأطلال!

أنت تقطع الطريق مسرعًا هروبًا من الشاحنة القادمة، إنما المصور المجنون يتوقف في المنتصف ليأخذ صورة سريعة لسيارة موديل الـ 600 مركونة بهدوء قديم حتى ولو كلفه الأمر تعطيل حركة السير! أو مخالفة من شرطي المرور!  تشهد لهم الطرقات بجنونهم.

يمتلكون أعينًا تبحث عن الجمال في أدق التفاصيل بين العشب وجذور الشجر، بين الرصيف والجدارن القديمة في المقابر والباحات!  لهم ذوق خاص تراهم يترددون لمطعم قديم وعتيق  وجدوا فيه صور فيروز وعبد الحليم وموسيقى أيام الستين، ملابسهم هادئة وغالبًا لديهم مكتبات تحوي ذكريات كثيرة وأوراق كلها خربشات من أيام المراهقة والحب الأول.

أنت تحفظ شعرًا مدرسيًّا وتستفرغه غدًا على ورقة الامتحان من أجل العلامة وتنساه بعد الخروج من القاعة،
هو لا يزال يحفظ القصيدة الثالثة في الصفحة الثلاثة والثلاثين في الصف الثالث قبل ثلاثة عشر سنة! ولو ذكرت أمامه بدايتها لأكملها عنك.

أنت تغني لنانسي في وقت استحمامك، هو يفضل أن يردد قصيدة أو أغنية قديمة من جيل والده، فما يلبث أن ينهي استحمامه حتى يخرج ليجد أباه يدندن بها دون قصد!

أصحاب المواهب، الفن، والتصميم، والتطريز، والرسم، والعزف، والغناء، والكتابة، والرقص، والتصوير، هؤلاء من يمكنهم جعل الزواج في أعلى قداسته وهو أن يكون في مرتبة الصداقة، بين العمل والأهل والمصروف والركض لحوائج البيت ودفع الفواتير.
الشخص الذي يمتلك موهبة يعلم أنها نافذة حرة بعيدة عن المسؤوليات وتعقيدات الحياة ومهرب جيد لوقت الفراغ والضغوطات، إنسان حر ويؤمن بالحرية في أدق تفاصيلها، يعطي الفرص لشريكه بأن يمارس حياته كما يهوى فيما يهوى حتى يمارس هو حياته كما يحب فيما يحب يدرك أن هناك دائمًا فسحة من الخصوصية  واللعب واللهو، يستطيع أن يفرغ  غضبه في لوحة أو مقطع موسيقي، وما إن يأتي أطفاله إلا ويبدأ يبحث عن مواهبهم فيهم حتى إذا وجدها شجعها وجعل لهم مساحة وفرصة للخروج، فهو يعلم معنى أن تسجن الموهبة والروح وأن لا تجد لها حضنًا يستوعب جمالها ويداريها حتى تشتد وتزهر، بيوتهم ممتلئة بأجواء الجمال والأصوات والتعبير يقدرون الخصوصيات وعلى وعي بمفاهيم كثيرة كـ«الدعم النفسي والمعنوي» و«الطموح» و«الاستقلالية» و«الحب» أطفالهم أصحاب شخصيات وآراء مستقلة لهم ذوقهم  وفكرهم.

هؤلاء لديهم عوالم لا يدركها الإنسان العادي الذي لا يهمه أن ركب في تكسي يشغل صاحبها أغنية لهيفاء وهبي تفيض عري وكلام بذيء الساعة السادسة صباحًا!،
إنما هؤلاء «الرسل» حساسون  لو ركبوا مع شوفير يضع مثلًا أغنية لمراسيل خليفة «أحن إلى خبز أمي» لعادوا وفي أيديهم قصائد ورسومات كثيرة وربما هدية لأمهاتهم أو قبلة سريعة .

هؤلاء يتحسسون مواطن الجمال!، هؤلاء بعثهم الله ليثنوا على صنعه في السماء والأرض والأصوات والمخلوقات بعد أن استحسن ما صنع وأثنى هو على نفسه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد