الذوق كلمة سمعناها كثيرًا، معبرين بها عن حس الجمال في السلوك، و كذلك في أي شئ  فيه حس جمالي، كالفن، فمنه ما يتخلله حس الرقي في الذوق، أو تدني الذوق، كلمة لا نستطيع أن نمسك بها؛ فهي كالهواء نشعر به دون رؤيته بالعين، كذلك هو الذوق.

أما عن مظاهر اليوم، والتي أصبحت تعج، ليس فقط بعدم الذوق الراقي، أو الذوق العالي، وأنما أصبح هناك تدن في الاتجاه السلبي، والذي أرق العلاقات والمعاملات بين الناس، فما عدنا نهتم في عصر الرأسمالية بتلك الأشياء التي ظننانها شكليات؛ فالمهم الماديات، و هلت علينا تلك الماديات، وإهمالنا لشكل المعاملات حتى ظهر وجه قبيح عم صور المجتمع؛ فنال من الفن، فما عدنا نرى فنًا ذا ذوق راق يعلم ويؤثر.

وكذلك ظهر القبح في السلوكيات، وتلك لا تحتاج إلى كلمات؛ فالكل يشهدها في معاملات أفراد لا يمنعهم الواجب المهني أو حتى أداب المهنة من أن يظهر قبح من عدم الذوق، وتدني سلوك أفراد ربما كانوا نخبة أو معلمين أو أطباء.

الكبير يعطف على الصغير، والصغير يحترم الكبير، فكيف نتعلم تلك الكلمات، والواقع أصبح مزعجًا بصوت أطفال ربما، أو مراهق يتطاول علة سيدة في عمر أمه، أو يجلس ولا يحركه حياؤه أو شهامته أو شيء من رقي ذوقي؛ فيقوم وهي تجلس، ولا يعطله شيء تفكير.

تلك مظاهر لاختفاء الرقي الذوقي. في السينما والبيت والمدرسه والشارع والمبادئ البديهية للمجتمع ككل، فلو نظرنا لوجدنا ألف معلم لقلة الذوق، ومعلم في المقابل يحيا بذوقه.

حتى تحول المجتمع؛ فما عاد هناك الرقي في الملبس، فنحن تبع لما يلقى علينا من أذواق ممسوخى، حتى وصلت إلى لعب الأطفال والعادات الشعبية؛ فأصبح فانوس رمضان «كروومبو»، فمن صنع تلك الأشياء لم يشعر بمعنى فانوس رمضان، وما القيمه الرمزيه فيه، ويريد أن يصنع ما يلفت النظر إليه، فهو تاجر، ولكنه مسخ «فلكولور» شعبيًا، فيه حس الجمال الذوقي الخاص بالمجتمع، والذي يتكون عبر عشرات السنين.

وكذلك يسري على كل شئ يأتي به غريب ليبيعه لنا؛ فيخرج فيه شيء من ذوقه الخاص، ويخلطه بشيء من ذوق ممسوخ، ونحن نعيش أو نقتات على تلك الأشياء، وكذلك السلوك والمفاهيم.

نسير وفق أذواق غيرنا، ونظرتهم الخاصة للحس الجمالي بالأشياء، بما يتنتاسب معهم هم، ونتخلى نحن عن ثقافتنا الخاصة، والتي هي في قديمها مرجع لهؤلاء الآن سر تقدمهم، ولكنا ابتعدنا عنها حتى نسيناها.

الذوق والحس الجمالي في الثقافه لديهم، وليس السلوك فقط أو الملبس أو المبادئ، ولكنه يرى فيها حسًا ما، ربما تاريخيًا أو فنيًا، ولكنه يفهم ما يعنيه من حس ورؤية خاصه للجمال. أما عنا؛ فأصبحنا تائهين: نلهس وراء «موضة» لا تناسبنا، و«براندات» لمجرد «عقدة الخواجة».

فنجح بعض من روجوا لأفكار ـ أراها في بعضها مرضية ـ فتخلينا عما تصنعه أيدينا، وسعينا وراءه؛ لمجرد عقدة الخواجة؛ فأطاح الخواجة باقتصاد دولة، وربما ضغط عليها لتركع سياسيًا أو عسكريًا أو اقتصاديًا لما يريد، وكل ذلك لتخلينا عن الحس الذوقي في ما نصنع، وتوكلنا على غيرنا يختار، ويروج لما يراه من ذوق ـ ربما ـ يناسبه ويحقق له ربحًا، ولكنه يمسخ الذوق العام ببعض مرضى العقول.

التخلي عن الحس الجمالي والذوق في السلوك؛ جعلنا نبدو كالمتحولين «زومبي» فما عدت ترى سواق التاكسي، إلا كائنًا «زومبي»؛ لشيوع قلة الذوق وقبحه.

وكذلك في الأطباء، فلا يهمه الذوق الراقي، وإنما «الفيزيتا» والسمعة والشهرة. وكذلك الصيدلي تخلى عن أدبيات مهنة فيها كثير من خدمة العملاء، ولكنه فاشل فيها لقلة الذوق.

وأما عن العاملين في خدمة العملاء، سواء في الخاص أو العام، فنادرًا ما قابلت الناجح في تلك المهنة، صاحب البسمة غير المتكلفه؛ فهو في داخله ذوق، وليس المهنة هي ما أكسبته الذوق الراقي في المعاملة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد