ما عادَتْ الأفكار التأسيسيّة في عصرنا الحالي تُبنَى على ما كان في السابق من ارتجاليّة في التّصرّف، وفوضويّة في المنهجيّة، ولا غدا مقبولًا تحكيم العواطف والدوافع الآنيّة؛ جنوحًا لحميّة أو تصدرًا لعصبية قوميّة، وإلا وُصِف السلوك حينئذ بالعبثيّة المضيّعة لكثير من المصالح والحقوق والجهود!

إن وضع ضوابط ومحدّدات توجّه السّلوك الصحيح هو المنهج الذي ينبغي أن يسلكه كل نابه وصاحب قرار، سواء كان ذلك استجلابًا لمصلحة، أو استدفاعًا لمضرّة.

وأكثر ما يُعينُنا على تقعيد منهجيّة منضبطة بقواعد علميّة؛ هو الاستقراء الدقيق والفاحص للتّاريخ الإسلامي – وخاصة لسيرة رسولنا، صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى- وإسقاط ذلك كله على الواقع المعاصر، مع مراعاة التباين للمكون النفسي والمجتمعي من زمن لآخر، ومن سياق لآخر، فضلًا عن الحدود الزمكانية؛ إذ إن لكل عصر خصوصيّته وملامحه ونظرياته.

قال صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول: «شَهِدْتُ حِلْفًا في الجاهلية مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي به حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوْ دُعِيت إلَى مِثْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْت».

وهو هنا صلى الله عليه وسلم يؤصّل لمبدأ التعامل مع الآخر المخالف لنا في العقيدة والفكر والانتماء، فالسلام والتّعاون والاتفاق على المصالح المشتركة لا يعد معيبًا في حقّ من جنَحَ إلى هذا السّلوك، بل على العكس هو الأساس الصحيح والمنطقي في التعامل مع الآخر، لأننا كمجتمعات بشرية لا نستطيع أن نعيش بمعزل عن الآخر بحجة الاختلاف العقائدي والانتماء المذهبي.

إن أصول مبدأ التعامل مع الآخر المخالف لنا في العقيدة والفكر والانتماء حتمًا لا يُوجب علينا مقاطعته أو نبذه، وليس مسوغًا للانكفاء على الذات، لأن الدين الإسلامي دين عالمي ضبطَ العلاقات جميعها وأطّر لها بما يكلف حفظ استقرار الدول والمجتمعات والأمم وأمنهم.

يقول الدكتور محمد سليم العوا في كتابه «في النّظام السّياسي في الدولة الإسلامية»: «إنّ صحّة المعاهدة وجوازها لا يتوقف على قياس أو استدلال بسابقة؛ لأن الأصل في عقد المعاهدات هو تحقيق مصلحة الأمة المسلمة والدولة الإسلاميّة. والمرجع في ذلك هو القواعد المقررة في أصول الفقه تحت عنوان المصالح المُرسلة، في أبواب الضرورة وما إليها، فما حقّق مصلحة الأمّة الإسلامية من معاهدات فإمضاؤه جائز بلا خلاف، ولا يحتاج إلى فُتْيَا بصحة الإقدام عليه.. إلخ».

حدود التعامل مع الآخر

أما في الجانب السياسي؛ فإن حدود الصلح مع الأعداء تتحدد بشرط واحد، قال تعالى: «وإن جنحُوا للسّلم فاجنح لها وتوكل على الله» الأنفال(٦١)، وعليه فإنّ المعيار الضّابط للتعامل مع الأعداء هو أن يتخلى الأعداء عن عدوانهم وبغيهم وظلمهم، فإن تحقق هذا الشرط فلا حرج على المسلمين في التعامل مع غير المسلمين لتحقيق المصالح المشتركة.

أما في الجانب الاجتماعي والاقتصادي؛ فتعد المساحة أوسع وأكبر في التعامل مع الآخر، ومنوطة بتحقيق التعايش السلمي، وقائمة على مبدأ المواطنة تحقيقًا لمصالح الأمة والأفراد، بما يتوافق وقيم ومبادئ شريعتنا الإسلامية والدستورية القائمة على العدل والمساواة ونبذ الظلم.. إلخ.

فلا بأس في تعزيز العلاقات وتوثيقها مع الآخر، والدليل على ذلك؛ «وثيقة المدينة» التي جاءت مقِرَّة بحقوق الذميين والمعاهدين بما يكفل لهم حق المواطنة والتعايش السلمي، فديننا الإسلامي دين الإنسانية المطلقة وحفظ الكرامة البشرية.

الأولوية للكفاءات

وهذا أساس آخر يتجلى في جواز التعامل مع الآخر – من غير المسلمين- بل نستطيع أن نقول بوجوبه على أن تتوافر في هذا الفرد خصائص الكفاءة والأهلية وإن اختلف دينه أو مذهبه، ولنا أن نتصور المسألة لو كانت على عكس ذلك، فلو جرى الاختيار على معيار المقاربة الدينية أو المذهبية، دون الاعتبار للكفاءات والتخصصات؛ لكان هذا كافيًا لانهيار المجتمعات وتأخر الأمم، فما بُني على أساس هشٍ لن يستقيم أمره، ولن يصمد طويلًا أمام التّحديات، وستذروه الرياح لا ريب!

إنّ نهضة الأمم تقوم على أسس وقواعد منضبطة لا تعرف المحاباة، قالت المرأة الحكيمة ابنة شعيب:«إن خير من استأجرت القوي الأمين»، إذن؛ المفاضلة والمفاصلة في الأمور هي الكفاءة والتخصصية والمؤهلات التي تقوم على أساس المقومات الجسدية والفكرية.

وهذا نجده في سيرة رسولنا الكريم عندما اختار عبد الله بن أريقط دليلًا في الطريق عند الهجرة، فكان الاختيار على أساس المقومات والكفاءة حتى وإن غاب الدين؛ لا على أساس الدين حتى وإن غابت المقومات والمؤهلات!

ونخلص من هذا؛ إلى أنّ أساس التعامل مع غير المسلمين إن أُمِنَ شرّهم وعدوانهم جائز بل واجب لتحقيق المصالح المشتركة، وتجنبًا لتعطيلها على مستوى الأفراد والمجتمعات والدول والأمم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد