أتظن أنك من السادة؟ أم أنك من أصحاب السيادة؟ أم أنك تقدر بملايين وتحرم من القوت لتموت جوعًا، فتقام في وجهك السدود والحواجز والحصون، حتى لا يتسرب منها شيء للجائعين؟ أراك تُسرع شوقًا إلى القراءة كأنها ستُخلصك مما أصابك، فإما هي تريح غضبك وتخفف عنك ما أنت فيه، وإما تشعله أكثر مما أنت عليه، ويزيدك الأمر ارتباكًا وخوفًا.

ألا تعتقد أنني سأقسو على السادة؟ أم أصحاب السيادة فيما قرروه؟ أتعتقد أني سأقسو عليهم! فهم أعلم منا بأمورنا كعلم الغيب الذي حرم على الجميع! فهم قوم اتخذوا من زهد العيش مركبًا، فوضعوا عامة الشعب في أسفله يتناحرون، يتناجون، يلتقطون أنفاسهم الأخيرة من كثرة زهدهم، حتى أصبح الضعفاء لا يستطيعون التحمل! فاعتلوا هم أعلى المركب، حيث الراحة والطمأنينة وصفاء الجو وهواؤه النقي والعيشة الرغدة، لكي يستطيعوا أن يشرعوا ويصيغوا قرارات الزهد، أعتقد أنهم لم يدركوا حقيقة أن غرق المركب يأتي من الأسفل؛ فالسادة سيغرقِون أصحاب السيادة، فما كان السبيل سوى التخلص منهم، والضغط عليهم حتى يؤدي بهم الأمر إلى الانتحار، والغرق في أعماق البحار.

 

أتظن أن السادة سيموتون شهداء؟! ولمَ لا؛ فقد تقطعت بهم السبل، وضاقت عليهم الحناجر، وتغلغل في نفوسهم اليأس والبؤس، حتى تملك منهم، ليس بأيديهم ولا من فعلهم، فكل ما عليك فعله هو أن تستمتع بشرار الأمور، وتضحك ضحكة قد ملأتها السخرية والاستهزاء والجنون، بعقول تطوف بالهذيان في ممر مشؤوم، مظلم مخذول، سيؤدي في النهاية إلى الهلاك المحتوم.

 

فيعد قطار الأنفاق «المترو» أفضل وسيلة للمواصلات – قديمًا- إذ إنه يتميز بقدرته الفائقة على نقل عدد كبير إلى أماكن متعددة ومختلفة في وقت واحد، دون التأثير أو التأثر سلبًا على حركة المرور، بالإضافة إلى التوفير في الوقت والمال قديمًا، فقبل ارتفاع سعر التذكرة كان من أرخص الأسعار مقارنة بالوسائل الأخرى التي أصبح اليوم أغلاها وأعلاها، فهو شريان الحياة بالنسبة للمصريين، لا يستطيعون الاستغناء عنه، فحيثما جف منابع الرخاء جفت بالبديهة منابع شريان الأنفاق.

 

فيطلق عليه قطار أنفاق لأنه يصير في نفق مظلم في باطن الأرض، فعرفناه منذ الصغر، و اعتدنا على ركوبه، فهو سهل ميسور مع كثرة أعداد ركابه، ولكن في الماضي، كنا لا نعرف أنه سيأخذنا إلى نفق الحياة الضيق المظلم، فبعد أن كان سببًا في فرحة الجميع وسعادتهم، أصبح مصدر شقاء وتعب وتكلفة وعناء لهم.

ماذا يفعل المصريون؟

أولًا: على أصحاب نظريات التقشف والتوفير أن يقلبوا في دفاترهم، ليخرجوا على إخوانهم بخطة جديدة لتفادي هذا المأزق الذي يعيق الجميع، فأظن أنه ليس لهم إلا خياران – لا ثالث لهما- ليخرجوا بهما: إما تحمل ارتفاع سعر التذكرة، من أين يأتوا بها وهم في حاجة إليها، وإما تحمل ازدحام المواصلات والتكدس داخل أتوبيسات النقل العام – وماذا يفعل من لم يجدها؟- فتزداد ازدحامًا أكثر مما هي عليه، فتؤدي بالضرورة إلى مشكلة أخرى أكبر حجمًا وأكثر تكلفة.

ولكني أقترح على السادة حلًّا آخر: فيشتري كل سيد من السادة دراجة ما نطلق عليها «البسكليت» ويذهبون بها إلى حيث يريدون، فمن ملك ثمنها فليشترها، ومن لم يملك فعليه أن يتخذ قدميه لكي توصله إلى أماكنه حيث أراد.

 

ثانيًا: لكي تتغلب على الغضب الذي اعتلى نفسك أن تفعل مثلما فعلت عندما أتاني النبأ، فتذكر الفوائد الجمة التي ستعود علينا من جراء هذا القرار، فقبل أن أعرض لكم هذه الفوائد لا بد وأن نتفق سويًّا أن من يملك سعر تذكرة المترو هو من أصحاب السيادة -غير صانعين للقرارات- ومن لا يملك ثمنها هو من السادة، ففي حقيقة الأمر لم أفكر كثيرًا، بل تناحرت الفوائد التي لا أستطيع حصرها، فاكتفيت ببعضها، لعل الله يهدي بها قومًا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فما ملكوا سوى الجلوس مكتوفي الأيدي، يرجون زوال أصحاب السيادة ذوي الأفق الضيق.

 

1- تحقيق العدالة بين المواطنين

ليس من العدل أن يستقل مواطن عربة مترو ويجول بها كل أماكن المحروسة، ويأتي آخر يدفع ثمن تذكرة الأول نفسه، ويركب بها محطة واحدة أو اثنين! كيف يتساوى الطرفان؟! أليس هذا ظلم وإجحاف؟! أم قول مرسل وإسفاف؟

فمن الحكمة أن تداركنا الكارثة بعد زمن بعيد، التي كانت من الممكن أن تؤدي إلى فجوة اجتماعية بين الطرفين، ونرى قومًا يطالبون بحقوقهم ويتخاصمون، وزعماء اجتماعيين ينادون بعدالة التذكرة والركوب داخل المترو! فيا سادة هم أرادوا تحقيق العدالة بين المواطنين في المترو – حتى تكتمل العدالة الاجتماعية!- فضرب من الجنون أن يوجد شخص يركب العديد من المحطات بنفس ثمن آخر يركب محطة واحدة! كيف كان هذا السكوت على أمر مثل هذه الأمور.

 

2- خلق الألفة داخل شوارع العاصمة

فبفعلهم سوف يتخذ بعضهم طريقهم سيرًا على الأقدام، من أجل تجنب الغلاء، هذا ما يؤدي بالضرورة إلى امتلاء الشوارع بالقوم، ويخلق جوًّا من الألفة؛ فيتسامرون في طريقهم ويتمازحون، بالإضافة قلة حوادث الخطف أو السرقة!

 

3- إبعاد السادة عن طريق أصحاب السيادة

من ضمن الفوائد الجمة التي غفلنا أعيننا عنها، هو تقليل التكدس داخل عربات المترو، وإبعاد الفقراء لكي لا يزاحموا الأغنياء من القوم، حتى يجدوا أماكن للجلوس بدلًا من الوقوف على الأقدام، بالإضافة أيضًا إلى تحسين خدمات المترو، فيضاهي مثيله في الدول الأوروبية التي طالما تحدثتم عنها وطالبتم أن نكون مثلها، فلم الآن تصرخون! ولكن دعوني أسأل: هل أصبح اقتصادنا مثل اقتصادهم؟ وهل أصبحت أجور السادة كمثل سادتهم حتى يكون هناك فسحة في الأجور لمثل هذه الأعمال؟

 

مما يؤسف له أن الشعب قد كفر بكل شيء في مناحي الدنيا، وكفر بأصحاب السيادة، فسبب كفرهم بالدينا يرجع إلى أنهم لم يستطيعوا أن يسايروا الحياة التي اعتلت رقابهم، وقست عليهم من شدة غلائها وعنفوانها، فقد خدعهم أصحاب السيادة وملأوا عقولهم كذبًا وخداعًا ونفاقًا، وبدأ الناس يفهمون بعد كفرهم أن أسوأ ما في الأيام يوم الخميس؛ حيث الصدمات والقرارات المجحفة، وأن أسوأ ما في الأمور خيارها، وأنهم لم يروا شيئًا يشفي صدورهم حتى الآن، فهم يحتاجون إلى نبي بعد كفرهم؛ ليأخذ بأيديهم من الكفر إلى الإيمان ويخرجهم من الظلمات إلى النور، فهذا ليس أول القرارات وآخرها، وهذه ليست أول الأنفاس والكتابات وآخرها، ولكن دعونا نتساءل: أين يذهب السادة يا أصحاب السيادة؟ وهل درستم الموقف دراسة جيدة؟ وهل استعديتم لهذا النظام الجديد حتى لا يكون هناك عناء في التكلفة والحصول على التذكرة؟ فأفضل لكم يا أصحاب السيادة أن تناموا على الوسادة، وتتركوا المترو للسادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد