في الثلاثة أشهر الأخيرة عشت تفاصيل الموت، وكيف يخطف من نحب دون استئذان، وكيف له أن يستأذن وهو «مصيبة» تكاد تفقدنا الحركة، فهو قاس جدًّا، والقسوة في فجأته وطريقته، لكن ما يصبرنا أنه قدر الله الرحيم، وهو بداية الحياة الحقيقية وليس نهايتها، لكن كل منا تحدد طبيعة هذه الحياة أعماله.

في فبراير (شباط)، استيقظت على خبر مفجع له مرارة في الحلق، وهو موت فنان البساطة والابتسامة محمد متولي، وقلت إن الرجل جمعني به موقف وحيد عندما كنت أعمل في إحدى المحطات التلفزيونية، وفي وقت عصيب قبيل موعد بث برنامجي -كنت رئيس تحريره-، أخبروني أن هناك شخصًا يريد مقابلتي لعرض فكرة برنامج جديد على القناة، تلكأت حتى أنهيت «سكربت» حلقة الليلة للبرنامج، ثم نزلت إلى مكتب المدير والذي كان ينتظرني فيه، وفجأة وجدته الفنان المتواضع الذي أصر على الوقوف، والابتسامة تحتل كل وجهه، كعادته.

اعتذرت وبشدة وتلعثمت في الحديث حياءً، وما كان منه إلا أن بادرني «الله يعينك يا أستاذ، شغل الإعلام كله ربكة وتعب، إنت عامل إيه؟»، ذهب عني الحرج وتكلمنا، ثم اتفقنا على لقاء آخر، لكن للأسف لم توافق الإدارة على فكرته لعدم وجود ميزانية تسمح بذلك، هاتفته وأنا محرج لأخبره، ابتسم وقال لي: «عادي والله ربنا يوفقكم، أنا كنت بس عاوز أضحك الناس شوية، ولا يهمك يا أستاذ، خلينا على تواصل»، وتعجبت من رده الهادئ، وتعجبت أكثر من تواصله بعد ذلك، والسؤال عني، وإرساله بعض أعماله، وإصراره أن أقول رأيي رغم عدم تخصصي في ذلك، وفجأة الموت أخذ متولي وبكينا لوداعه؛ لأنه لم يكن مجرد شخص.

لم أفق من حزن متولي حتى سمعت عن موت شاب جميل طيب السيرة والمسيرة، كان «رحالة للخير»، تعجبت من كثرة الدموع والدعاء له ممن أعرف أنهم أهل خير أيضًا، بحثت عنه وعن سيرته، وجدته مثالًا رائعًا لم يكن لي شرف اللقاء أو القرب منه، لكن هكذا الطيبين يرحلون سريعًا بدون أن يمهلهم الموت أن يقولوا لنا «وداعًا».

الشاب الخلوق أحمد صبري، هو بطل هذه المأساة، أفجعني رغم أني لم أقابله، لكني أحب سيرة الأنقياء الذين يحبهم الناس لطيبة قلوبهم ومسارعتهم في الخير، ويزداد حبي لهم عندما يكونون شبابًا ويفرغون من جهدهم وطاقاتهم من أجل عمل الخير، لم أستطع أن أفعل شيئًا لأحمد إلا أن ذهبت إلى جنازته وحملت نعشه وشهدت دفنه ودموع محبيه، قلت أنا له «وداعًا» رغم أنه لم يعرفني، دعوت له ومكثت طويلًا عند قبره رغم أنه لم يقابلني يومًا، المهم ودعنا وفُجعنا الشاب.

لم يهملنا الموت طويلًا، وفجأة اختطف أديبًا كنا نرى في كتاباته مخرجًا من «يوتوبيا» بلادنا المستمرة، حاول مرارًا أن يخرجنا من «ممر الفئران» لنرى طاقة النور الرباني ربما نسترشد طريقنا، ورغم إصرارنا على الجهل والتيه، الرجل لم ييأس، وكتب كثيرًا حتى فني قلمه وعمره، لكن لم تفن كلماته وأثره.

«أحمد خالد توفيق»، لم يكن مجرد أديب نحاول شراء رواياته أو نقرأ مقالاته، الرجل كان أبًا حنونًا متواضعًا، لم تحمله عبقريته على ازدراء أي جاهل يكفر بما يكتب، لم ييأس منا كشباب أقرب للشياطين من الملائكة، ورغم حالنا المخزي إلا أنه أنصفنا وراهن علينا بقوله: «الشباب ليس مجموعة من الملائكة، لكنهم ليسوا شياطين، سوف يصيرون كذلك لو لم نفق من غيبوبتنا، ونحن لسنا ملائكة ولا شياطين، نحن ملاحون خائبون غرقت سفينتهم أو كادت، وعلينا أن نترك قطعة خشب واحدة طافية ليتمسك بها من يأتون بعدنا»، فهل سنتمسك بما تركه أم سينسينا الموت كعادتنا.

في حضور العظماء تغيب كلمات الرثاء، ويعطب قاموس كلماتنا في محاولة التعبير عن مرارة فقدهم ومآسينا بعد رحيلهم، لذا لم أجد ما أكتبه عن «العراب»، وأظل «غريبًا» في جوار عبقريته وآثاره،وتكفيه دموع ملايين ودعائهم له، رغم أن علاقتنا به مجرد سطور كتبها بإخلاص وعاشها، فاللهم بعدد من حزن بموته عافه وعامله بإحسانك وعفوك فإن نشهدك أننا نحبه.

رحيل الثلاثة «متولي وصبري وتوفيق»، مع حفظ ألقابهم جميعًا، فإني لست صديقًا شخصيًّا حتى أناديهم هكذا بتجرد، لكن رحيلهم فطر قلبي، وموتهم أحيا معاني كثيرة لربما لم تكن الأيام تكفي لتعلمها، فالموت أحيانًا يحيينا.

متولي، علمني البساطة حتى في رحيله، وعلمني موته أن أسوأ التصرف هو «التسويف»، تسويف تواصل، تأجيل لقاء، كسل عن قرب ممن نحب، وفجأة كل هذا يرحل وتبقى ذكراه.

صبري، علمني أن عمل الخير والإخلاص فيه هو سر الحب وقبول العمل، علمني أن من عاش لنفسه عاش قصيرًا، ومن عاش لغيره عاش طويلًا، موته ذكرني بنفسي وبضاعتي الشحيحة، وأن التدين ليس فقط صلوات وذكر، هناك الكثير.

«توفيق»، علمني أن القلم مسؤولية، وأن الصدق في القول هو سر القبول والنجاح، وأن التواضع مرسال للمحبة، وأن الرحيل يأتي فجأة بلا مقدمات، وأن الأثر الطيب هو الباقي، وأن الجنازات هي المشهد الذي سيفرق بين صادق حر وغاصب مزور مستبد.

الموت يحيينا عندما نتعلم ممن رحلوا ونحفظ أثرهم وآثارهم، عندما نمشي على خطاهم، عندما نقتدي بهم في كل طيب، وإلا سنكون مجرد «رقم» ينقص من تعداد السكان ليضاف إلى صفحة الوفيات، اعمل لجنازتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد