يستفيق العالم هذه الأيام على وقع جرائم مروعة ترتكب بحق أقلية الروهينغا المسلمة حيث أدى سيطرة الجيش ذو المكون البوذي على مقاليد السلطة في ميانمار «بورما» إلى تأزم الأمور وتحويل أحلام المسلمين فيها إلى كابوس دموي.

يبلغ تعداد مجتمع الروهينغا حوالي المليون نسمة وهم ينتمون إلى إحدى الممالك القديمة التي قامت على أنقاضها حاليًا دولة بنجلاديش، وهم في الأصل مهاجرون اتخذو من (ميانمار) موطنًا لهم، ولكن رغم انتمائهم السابق لبنجلاديش إلا أن الأخيرة ترفض الاعتراف بهم، كما تعتبرهم سلطات ميانمار مهاجرين غير شرعيين رافضةً منحهم أي أوراق رسمية أو استصدار بطاقات جنسية أو وثائق سفر لهم، مما صعّب الأمر على أقلّية الروهينغا وقلب حياتهم رأسًا على عقب.

ومع وجود العديد من الأقليات الأخرى التي تعيش في ميانمار ومعاناتها من أوضاع إنسانية صعبة وصعوبة في العيش إلا أن حال الروهينغا يختلف عنهم لا لشيء سوى أنهم يرغبون في ممارسة شعائر دينهم وعبادة الله بالطريقة التي يرونها صحيحة، وتشكل نسبة السكان الذين يدينون بالبوذية ما مقداره 40% من إجمالي السكان، الأمر الذي خلق حالة من عدم التوازن انعكست سلبًا على أوضاع المسلمين من أقلّية الروهينغا، وتتبع الأقليات الأخرى الدين المسيحي أو الديانات المحلية بينما ما زال آخرون منهم وثنيين.

وفي الوقت الذي يمارس فيه الجيش الحكومي المسيطر على الأمور بالبلاد عمليات قتل وتشريد وسجن ممنهجة بحق الروهينغا إلا أن المجتمع الدولي الذي طالما تشدّق باحترامه للقيم الإنسانية لم يحرك ساكنًا تجاه هذه الجرائم في ميانمار طالما كان الضحايا مسلمين، وفي أزمات سابقة كهذه أبدى المجتمع الدولي مرونة أكبر في التحرك لتنهال سيل الإدانات والشجب والاستنكار على انتهاكات في بقاع مختلفة من العالم، حيث يصل الأمر أحيانًا إلى إرسال قوات أجنبية بدعوى حماية السلام كما حدث في لبنان والسودان.

وعلى الأرض تنشط العديد من الجماعات البوذية المسلحة التي تمارس عمليات قتل منظمة ضد المسلمين بقيادة الكهنة البوذيين وبتوجيه مباشر منهم مستمدين قوتهم من الجيش الذي يتكون معظمه من البوذيين أيضًا، وقد قاموا بالتحالف مع الجيش بارتكاب جرائم قتل خارج إطار القانون بحق مدنيين ومواطنين عزل بينهم أطفال ونساء، في الوقت الذي أدت فيه مثل هذه الممارسات والانتهاكات إلى قيام الكثير من الأقليات الأخرى بتسليح نفسها وتكوين جماعات مسلحة للدفاع عن نفسها ضد هذه الانتهاكات التي تتعرض لها حالها حال مسلمي الروهينغا.

إنهم أخواننا، بهذه الجملة اختزل البابا فرانسيس موقفه من الجرائم المرتكبة حيث عبر بوضوح عن رفضه لعمليات القتل التي تتم بحق مسلمي الروهينغا، ويعد موقف البابا فرانسيس القوي نقطة سوداء في جبين الكثير من زعماء العالم الإسلامي الذين لم يبدوا أي تحرك أو موقف قوي تجاه قضية إخوتهم في الدين، حيث يبدو أن البابا قد فهم أهمية أخوّة الإنسانية قبل الأديان والأوطان، حيث صرح البابا فرانسيس قائلًا «يعانون منذ سنوات عذبوا وقتلوا ببساطة لأنهم يريدون ممارسة ثقافتهم ومعتقداتهم الإسلامية» وأضاف قائلًا: طردوا من ميانمار ونُقلوا من مكان إلى آخر لأن لا أحد يريدهم، لكنهم أناس طيبون ومسالمون، ليسو مسيحيين ولكنهم أناس طيبون، هم أشقاؤنا وشقيقاتنا، هذا وقد أعلن البابا أنه سيزور ميانمار وبنجلاديش نهاية العام الحالي لبحث الأزمة وتقصّي الأمر عن قرب.

وقد أبدت جهات إغاثية دولية وإقليمية رغبتها في تقديم مساعدات إنسانية عاجلة لتغطية الحاجات الإنسانية المتنامية هناك من الدواء والطعام، ويفتقر إقليم أراكان حيث يقطن الروهينغا إلى أبسط مقومات الحياة مع استمرار عمليات القتل بصورة شبه يومية واستمرار عمليات النزوح والتشريد، وعلى الرغم من عدم اتخاذ هيئات الأمم المتحدة لمواقف سياسية ودبلوماسية أو تحركات عسكرية لإيقاف عمليات القتل التي تتم بحق أقلية الروهينغا المسلمة، إلا أنها أبدت مرونة ورغبة في التحرك في النواحي الإنسانية حيث تقول الأمم المتحدة إن السلطات في ميانمار تعيق وتمنع وصول المساعدات إلى المحتاجين في خطوة تهدف في الأساس إلى القضاء على مسلمي الروهينغا ومحوهم من على سطح الكوكب.

وعلى الرغم من سيل الإحباط الذي صاحب الأزمة برز الموقف التركي القوي الذي تصدره الرئيس رجب طيب أردوغان، حيث دعا فخامته إلى موقف دولي قوي وموحد ضد الانتهاكات وعمليات القتل التي يتعرض لها المدنيون العزل والأطفال من مسلمي الروهينغا في ميانمار، وقد وعد أردوغان بتصعيد الأزمة إلى أروقة الأمم المتحدة، هذا غير المواقف الرافضة والتصريحات القوية التي وجهها الرئيس التركي إلى الحكومة العسكرية في ميانمار، حيث طلب منها صراحةً السماح لوكالات الإغاثة التركية بالوصول إلى المسلمين في إقليم أراكان وتقديم المساعدات لهم حيث أبدت حكومة ميانمار مرونة في قبول الطلب التركي بعد الموقف القوي للرئيس أردوغان.

ولم يتبق للروهينغا سوى الهجرة إلى الله والانتظار عسى أن تكون الأيام حبلى بتحركات دولية أو إسلامية تنقذهم من مزيد من عمليات قتل وتشريد بانتظارهم وتنقذهم من دسائس دبرت لهم بليل، وكم كنت أتمنى أن يكون البابا فرانسيس أحد رؤسائنا المتأسلمين ليقولها صراحةً إنهم إخواننا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد