إن أهم ما اكتشفناه يتمثل في قدرة الإنسان على تغيير مجرى حياته عندما يغير سلوكه. ففي أي وقت نتعامل مع أخبار سيئة أو شخص صعب المراس أو خيبة أمل من أي نوع، فإن معظمنا ينغمس في بعض العادات التي ورثها من ثقافته وبيئته وتربيته مع مجريات الحياة، خاصة تلك التي لا تكون في صالحنا. وفي محاولة لمنحك فرصة أفضل لرؤية كيف يقوم السلوك بتغيير مسار حياتنا، فإليك هذه القصة الرمزية.

عندما يحصل يحصل موقف، ما فإن صديقتي ميار تبالغ في رد فعلها، وتضخم الأمور، وتصر على موقفها، وتبدأ بالمعزوفة الدرامية، وتركز على الجوانب السلبية من الحياة، وتغضب وتقلق وتنزعج؛ مما يؤدي بها للشغور بالسخط؛ فيعمى بصرها عن رؤية الأمور، وترفض المساعدة المقدمة لها من الآخرين، وتعيش دائمًا على مزاج الطوارئ، وبدلًا عن أن تقوم بحل مشكلاتها، فهي تضاعف تعقيدها؛ فتتحول الأمور إلى حجم ضخم جدًا في ذهنها؛ مما يجعلها تتعامل مع مأساة تلو الأخرى، حتى تعجز عن الإدراك الشمولي لما هو واقع حالها.

ولكن لحسن الحظ، فإن جين تعيش حياتها بالطريقة البديلة التي تشمل استبدال بالعادات القديمة لرد الفعل عادات جديدة للنظر إلى الأمور؛ مما يمكنها من الحصول على حياة أكثر رفاهية ورضا، وتجعل شعارها: لا تهتم لصغائر الأمور، وكل الأمور صغائر!

وفي عقد لمقارنة بين ميار وجين، فإن الأولى تسعى دائمًا للكمال، بينما تطمح الأخيرة للتصالح مع العيوب، وقبولها، سواء تعلق العيب بدولاب غير مرتب، أو إنقاص الوزن الزائد. وبينما تخشى ميار أن تكون أكثر تعاطفًا مع الآخرين خشية أن تتوقف عن النجاح وتحقيق الأهداف، أو خوفًا من الكسل والاتكالية، فان جين تقضي على ذلك الخوف بكثير من الوداعة والعطف؛ مما يغمرها بنوع من السكينة الداخلية؛ مما يساعدها على التركيز أكثر على أهدافها، وأن ترد عرفان الآخرين. ومن ناحية أخرى فإن صديقتي ميار تتصدر دائمًا المجالس بطرح المعلومات التي تعرفها في ظن منها أن هذا يساهم في التوعية ونشر المعرفة والاستنارة والإسهام في بناء مجتمع أفضل، فإن جين تتواضع باستمرار للناس وتتظاهر أنها أقلهم معرفة، حتى لو كانت تعرف ما يجب قوله، فهي تنتظر شخصًا ما ليقوله، بدلًا عنها، وتستمر في طرح الأسئلة في محاولة منها لتشجيع الآخرين على اكتساب الشعور بالقيمة الذاتية والثقة بالنفس. الفكرة بالنسبة لجين تكمن في أن تتخيل أن جميع من تعرفهم وتقابلهم هم على أفضل درجات المعرفة والاستنارة فيما عداك، وأن تفترض أن كل شخص سيعلمك شيئًا جديدًا .السائق الطائش والمراهق السيئ الخلق سيعلمونك الصبر مثلًا، ومن هنا فبدلًا عن أن تشعر بالإحباط، بامكانك أن تسأل نفسك عما يحاول الآخر أن يعلمك إياه ويقوله لك.

إن أكثر ما يبهرني في أسلوب صديقتي جين هو قدرتها على امتصاص الآخرين حين تتسبب لهم هي بمصيبة، فهي تستخف أولًا بكل الأمور، كشعارها، ولكنها تدافع عن مواقفها بأن تضع الآخر في موقف دفاع عن النفس، ومن ثم تتعاطف معهم، وتمدح اختياراتهم الأخلاقية، مما يجنبها الحاجة للاعتذار، ويجنبها التعرض للانتقاد، أو التصحيح لأي مما تفعله. تبذل جين جهدها في التعامل مع المواقف بطريقة معاكسة للمألوف الذي تتبعه ميار، فهي لا تحاول أن تشرح وجهة نظرها أبدًا، بل تساعد الآخر في أن يكون على حق، وأن يشرح وجهة نظره، ولا ترشده إلى أي من أخطائه ليصححها، وطبعًا فإن ميار تتشاجر باستمرار مع جين حول محاولة تصحيح أخطائنا، والتعلم منها، إذ ترى صديقتي ميار أن علينا تصحيح الأخطاء كي لا تتراكم وتصل إلى نتائج كارثية لا يمكن الرجوع عنها الأمر الذي تتفاداه جين تمامًا معتقدة بأن عدم التصحيح يقلل التوجهات الدفاعية لدى الآخرين؛ مما يقلل من الأنانية لدى الأفراد، ولن يكون على أحد أن يضحي بمعتقداته.

وكمثال، فإن جين كانت زميلة لميار في السكن، وبينما تتمتع جين بوضع مالي مميز فإن صديقتها ميار حصلت على منحة جامعية لإكمال دراستها، وتعمل بوظفية إضافية وتحضر الكثير من الأنشطة الطلابية؛ مما جعل جين تشعر بالكثير من الغيرة، ولأنها أرادت أن تثبت ذاتها فقد استخدمت الأسلوب الذاتي. طلبت جين من صديقتها أن توفر عملًا لصديقتها ميار، ومن ثم أخبرتها أنها تبحث عن عمل؛ مما جعل ميار تبحث عن عمل لجين. وعند المقابلة تلقت ميار اتصالا من مجهول وهي صديقة جين الثانية وتدعى زيزي، والتي قامت بعرض فرصة عمل على ميار لا يمكن رفضها، لكن ميار مخلصة جدًا، فرفضت العمل لأنها كانت قد وقعت عقدًا لتوها مع جهة عملها.

وبعد شهر فقط قامت جهة العمل بطردها مدعين أنهم قاموا بمنح عقد عمل مبكر لشابة كانت تعمل مسبقًا في الشركة، وبهذا حصلت جين على العمل دون أن تعلم ميار بالأمر، ودون أن يتم اتهامها بأي شيء مخالف للأخلاق أو القانون، واستطاعت أن تثبت فشل أداء ميار في العمل؛ مما أضاع علهيا فرصة المنحة الجامعية، وجعلها تضطر للانتقال من السكن والتوقف عن دراستها الجامعية لبضعة سنوات حتى تحصل على التمويل اللازم.

يجدر بالذكر أن العديد من الجماعات الاسلامية تتبنى مبدأ جين هذا في التعامل مع الأمور، بل ويشرعه الكثير من الدعاة والمفتين المشهورين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد