في ممر الفئران نهرب جميعًا من مصير محتوم، في ممر الفئران نقبع جميعًا عاجزين، بلا أية قدرة، أصبحنا أكثر هشاشة من ذي قبل، وأضعف للأبد، هكذا كان وضع الناس في ممر الفئران، كما قالت رواية العظيم «أحمد خالد توفيق»، في أحدث رواياته، بعد أن اصطدم نيزك ضخم بالأرض؛ فيختفي النور منها للأبد، هنا يضرب العمى الكل، ويقدس الناس الظلام.

يظهر في جبال «الهيمالايا» راهب، يستأثر بالنور لنفسه، هو الوحيد الذي يرى الشمس، وبالطبع يبقى الجميع تحت رحمته، شرارة ثورة تجوب العالم بأجمعه، هؤلاء الذين عرفوا النور من قبل، يشتعلون غضبًا، من المستحيل أن تقبل بالعمى، وأنت تعرف أن هناك، ولو نصف فرصة، أن ترى مجددًا. يظهر بطل الرواية من عالم مواز، هناك نبوءة تقول إنه «المخلص»، وينتظر الجميع، وفقط قبل اللحظة الأخيرة يفاجأ هو ذاته بأنه ليس المخلص للأخيار، بل هو مخلص الأشرار، وفيه تتحقق نبوءتهم هم.

ربما تشعر أن الأمر خيال علمي مبالغ فيه بعض الشيء، ولكنك لو تمهلت قليلًا، لوجدت تشابهًا أكيدًا بين ذلك العالم، وبين عالمنا الآن. هناك صلة ما هناك أشياء لا تتغير، ولكن فلنفكر قليلًا في الأسباب التي قد تجعلك ترفض هذا التشابه، لربما عدم اقتناعك بإمكانية تردي وضع البشر لهذه الدرجة أو حتى بضع الأسباب العلمية، لكنها ليست محل نقاش الآن، ولكن لم لا نفكر للحظات؟

في أحداث الرواية، بعد أن اصطدم النيزك بالأرض، يظهر «القومندان»؛ يستغل الموقف من أعلى الهيمالايا، حيث يرى الشمس، ومن تحته الفئران تتخبط، يزعم أنه لا يريد تغير عقائد الناس، ولكن أول ما يطلبه هو أن يظل الظلام مقدسًا، ألا يذكرك هذا بأي شيء؟ «الديكتاتور يا عزيزي»، هو لا يطمح إلى عقائد أبدًا، هو فقط يريدك أن تقدس الوضع الذي يخدمه المعنى الذي يبقيه مسيطرًا، هناك كيان يستمد منه الديكتاتور القوة، وتقدسونه جميعًا منذ «هايل هتلر»، ويحيا الوطن، وحتى فليبق الظلام المقدس، وفكر فيمن تريد من باقي جبابرة الزمن القديم.

جميع البشر فريسة للعمى، وبالتالي فربما يأكلون الكلاب، ويسرقون بعضهم البعض، في شكل من أشكال العدالة الشعرية، والجميع يقبع في القاع، وهنا سأسألك نفس السؤال؟ ألا تشعر أن هناك شيئًا ما، ليس غريبًا عليك؟ كم مرة قرأت في الصحف عن المطاعم، التي استخدمت لحم الحمير والكلاب وغيرها، الأمر ليس جديدًا يا عزيزي، أما السرقات والنصابون، فلن أذكر شيئًا أعلم أن ذهنك أصبح «سيرك» تتداخل فيه عمليات نصب أكثر إبداعًا، وربما كنت أنت شخصيًا ضحية إحداها.

في ممر الفئران يحكم القومندان العالم، بتتابع الأحداث نكتشف أنه لا شيء يدعى القومندان، ليس سوى مجموعة من العلماء الروس، وأثرياء العالم يقررون كل شيء، ويوقعون باسم كيان لا وجود له، وهنا إجابة سؤالي المعتاد، ستكون بسيطة للغاية، إن العالم دائمًا وأبدًا لا يحكمه شخص، بل تحكمه مؤسسات حتى الآن، تلعب الشركات متعددة الجنسيات هذا الدور، وتلعبه بكل جدارة القومندان بيننا الآن، لو أردت رأيي، ولا ينتظر النيزك ليلعب دوره.

استسلم البشر للقومندان، ولكنه احتاج لأداة تأديب، في حالة وجد بعض العصاة، هل لك أن تخمن ما هي تلك الأداة؟ بالفعل الجهاز الأمني في كل بلد لعب هذا الدور بجدارة، لو كنت دكتاتورا كنت ستحب الأجهزة الأمنية كثيرًا، هم دوما ملكيون أكثر من الملك ذاته.

باقتراب أحداث الرواية من النهاية نصل إلى مرحلة الذروة، الثوار يتوسطهم البطل، يقتربون من تحقيق نصر ما، يعتمدون على البطل، وربما لم يصلوا إلى تلك المرحلة ثقة في تلك النبوءة، حتى ينقلب البطل أ بدون علم منه هو شخصيًا ـ مخلصًا للأشرار، ومنقذهم من أسوأ لحظة كانت قد تدمر كل شيء، كان منذ دقيقتين رسول الأخيار، ولكن ـ صدقًا ـ أعجبت شخصيًا بتلك النهاية، إن النبوءات خرافات لن تنقذ العالم بنبوءة ما، ولن ينقذك شخص واحد، لن ينقذ العالم سوى الاتحاد، وهكذا، وهكذا فقط، سنخرج من ممر الفئران.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد