إذا راقبت الطيور وهي تطير بحرية في الأفق، وسمعت صوت رفرفة أجنحتها وهي تضرب الرياح من قوة الإيمان، وإذا جذبتك ألوان الفراشات التي تعكسها أشعة الشمس لتغري عيونك، فتنهض من مكانك؛ لكي تجري وراءها، لتلعب معها، فتسابقك وتظل تجري؛ لأنك تأثرت بخفتها.

وإذا جلست على الأرض تشرب فنجالا من الشاي في ليالي الشتاء، وتأملت حركة الأرض وهي تدور بك، ولا تشعر بحركاتها من شدة سرعتها، إذا رأيت وراقبت وتأملت ستتعرف بسهولة على “محمد عبد الوهاب سعد” والشهير بـ”ميكو سعد”.

فالحركة هي وقود قلبه، والحرية والإيمان والخفة والسرعة من سمات شخصيته، ولهذا اختارته أحلامه؛ ليكون سفيرًا لها، ولبلده مصر، ومعشوقته مدينة الإسكندرية، الذي يطل منها على  أحلامه، فرقص على مسرحها، والتحق بفرقة الأنفوشي للفنون الشعبية للطلائع، ثم بفرقة الدولة بدار الأوبرا في الإسكندرية؛ ليتعلم الرقص المسرحي، ثم أصبح عضو في فرقة الرقص الوطنية، وفرقة رضا للفنون الشعبية، ثم سافر إلى لندن وأسس فريقا مسرحيا، وقدم عروضا مختلفة من الفنون الشعبية؛ ليرى العالم الفلكلور المصري، كما نظم العديد من الحفلات في السفارة المصرية بلندن، ليرى العالم الثقافة المصرية، وعمل كعارض أزياء، وقام بأدوار تمثيلية في أفلام ومسلسلات بريطانية وأمريكية مختلفة.

والآن هو مقدم برنامج “أكلات ميكو ـ ليست مجرد طعام، إنها متعة”، وحاليًا يعرض الموسم الثالث “جولات وأكلات ميكو” على قناة الغد العربي، وهي قناة إماراتية، والمكتب الرئيس في لندن، وهو يختلف عن أي مقدم: فهو يخلع ملابس المقدم؛ ليرتدي ملامح الناس فيتحدث كما يتحدثون، حريص أن يتكلم بلهجته العربية السكندرية عندما يتحدث مع العرب، ويتحدث باللغة الإنجليزية مع الأجناس المختلفة، وفي حالة عدم إتقانه للغة الأم لبعض البلاد يحاول أن يتواصل بكلمة أو كلمتين مع أهل المدينة.

والبرنامج كالطائرة: يسافر بها في رحلة واقعية لإنسان يحاول أن يكتشف ملامح الطباخ، الذي يحاول الصعود إلى عينيه؛ ليرى العالم ويتعلم أسرار الطبخ، وفي رحلته يساعدك أن تكتشف أشياء تسكن عقلك وقلبك، ولكن غطتها الغبار من شدة أعاصير الحياة، وأن تتعلم النطق الصحيح للغة الإنجليزية؛ بسبب تعامله مع طهاة من دول مختلفة، وإذا فقدت القدرة على الحركة، ولم تكن قادرا على السفر إلى الدولة التي أحببتها حبًا جمًا من دراما تابعتها، وتمنيت أن  تسافر لها؛  لكي تلمس المدينة، وتهدي ابتسامتك لشعبها، لتعبر عن حبك لهم، سوف يحملك على أجنحته أو يأخذك وراءه على العجلة ليسير بك، وتفرد أجنحتك التي يكبلها الواقع، ويداعب الهواء وجهك، وترى العالم المختلف عنك، في بعض العادات والتقاليد واللغة، ولكنك تستطيع أن تلتقي معهم في نقطة نور تضيء الطريق لكم جميعًا.

ولغة ميكو هي: “لغة الطعام”، فهي لغة في غاية الأهمية؛ فإذا عجزت الأجناس المختلفة عن التحدث بلغتك الأم، فبالتأكيد سوف يجيدون التحدث بلغة الطعام معك، كما أنك تستطيع رؤية مدينة بأكملها من عطر توابلها، وأطعمتها الشعبية الساخنة، التي تطفئ برد الشتاء الذي يجمد جسدك.

ويرى ميكو أن الطعام كان قديمًا وسيلة “نظام المقايضة”: أعطيك طعاما، لتعطني ما أحتاجه من سلع مختلفة، والطعام يمدنا بالطاقة اللازمة لنا، ولتحقيق أحلامنا، وأنه أكثر شيء نقوم به بعد الصلاة؛ فنحن نأكل ثلاث مرات في اليوم، كما أنك تستطيع أن تستمد ثقتك من قدرتك على طهي الطعام؛ فإذا حاز على الإعجاب سوف يأكله الناس، وينهلون عليك بعبارات الشكر، وإن لم يعجبهم سوف يصمتون ويتركون أطباقهم، ولم ينقص منه إلا القليل.

نختلف في التعبير عن لغة الطعام الخاصة بنا، إلا أنه في الاختلاف وحده، يوحدنا أن نأكل من طبق واحد معًا، أن نتعرف على ثقافة مختلفة، وهذا ما حدث مع ميكو في لندن، فعندما عرف صديقه الصيني “هو منج لي”  ويناديه بـ”شوندي”، وتعني أخي في اللغة الصينية، أنه يعرف طهي بعض الأطباق الصينية، دعاه “هو منج لي” إلى بيته؛ ليعد له، ولأصدقائه طبق “stir fried” أي النودلز المقلية، واعتقد هو منج لي كما يقول ميكو: أني الطباخ الفظيع الذي أتى من سور الصين العظيم، وطبعًا أنا لا أعرف شيئا.

ينتظر ميكو صديقه “هو منج لي” في مدينة الصينيين بلندن، ويتجول في المكان إلى أن يأتي صديقه، ويرتدي ميكو سترة لونها أحمر في لون المدينة، واللون الأحمر عند الصينيين لإخافة وحش اسمه “نيان”، وكان يخاف أيضًا من المفرقعات، أما عند القدماء المصريين فهو رمز للانتصار، وتوجد “مدينة الصينيين” في معظم الدول؛ لعرض أعمالهم ومنتجاتهم وأطعمتهم، بهدف خدمة الناس ونشر ثقافتهم في جميع أنحاء العالم، والناس التي تتجول في المدينة من الشرق الأوسط من الصينيين والماليزيين والكوريين واليابانيين، ويزين البط السمين المحمر مدينة الصينين من خلف اللوح الزجاجي للمطاعم، ويعتبر البط من أشهر الأطعمة الصينية كما أنه يعتبر من ألذ الأطباق وأشهرها عند الفلاحين المصريين في القرى.

جلس ميكو يتصفح الجريدة المكتوبة باللغة الصينية؛ ليكتشف من الصور أنه يمسك الجريدة بالمقلوب، فلقد حاول ذات مرة أن يتعلم اللغة الصينية التي تتكون من 2500 حرف، ولكنه لم يستطع؛ فهي أكثر من حروف اللغة العربية التي تبلغ 28 حرفًا، كما أن الحروف في اللغة الصينية لا تقابلها حروف في اللغة الإنجليزية، ولهذا قرر أن يشاهد الصور فقط.

وصل صديقه هو منج لي، وركبوا السيارة معًا، وأغلقوا جميع النوافذ؛ فالجو اليوم بارد، وتحدثوا قليلًا في الطريق، إلى أن وصلوا إلى المتجر” wing yip”، وهو من أشهر الأسواق الصينية في لندن، ونظر ميكو ومنج ليفي ورقة المكونات، فاختاروا نوعا جيدا من زيت المحار، وصلصة الصويا، وهي أساس معظم الأطعمة الصينية، و بديلاً عن الملح، أما الملح بالنسبة للمصريين أساس الطعام، ومن دونه يكون الطعام ماسخًا في أفواههم.

ميكو2

ركب ميكو “سلة التسوق”؛ ليصل إلى “قسم الخضروات”، وعندما أمسك الفجل الصيني ووضعه أمام وجهه صرخ بصوت منخفض؛ لأنه فوجئ بحجمه الكبير، فالفجل المصري صغير، ومذاقه حام، على عكس الفجل الصيني، واختار بصلة صغيرة، ولم ينس الزنجبيل والبصل الأخضر؛ فكما يميز الثوم والبصل الطعام المصري، فالزنجبيل والبصل الأخضر هما سفراء الطعام  الصيني، ولهذا قال ميكو: إذا رأيت الزنجبيل في إناء الطهي سوف تعرف أنه طعام صيني، واشتروا كرنبا صينيا وبروكلي، وبحثوا كثيرًا عن “النودلز”، أي الشعرية، ودلهم أحد الأفراد العاملين على مكانه، وأعطاه أيضًا عش الغراب والفول واستغرب ميكو من الفول قليلًا؛ لأنه أبيض اللون وعيدانه طويلة، وهو مختلف عن الفول المصري: فالحبوب كبيرة، ويدمس في قدر كبير، وبعد أن ينضج يغرف في طبق صغير، ويعصر ليمون، ويرش ملح، وفلفل، وكمون عليه، ويغمس بخبز أسمر ساخن.

واختار المنتج حازم عكيلة لوحة تقطيع تقليدية مصنوعة من نبات البامبو؛ ليقطع ميكوالخضروات عليها، وسكينة كبيرة تشبه الساطور، وهي السكينة التي يستخدمها الصينيين في التقطيع، أما المصريون فيستخدمون سكاكين صغيرة.

وآخر محطة هي: “المأكولات البحرية” واختار ميكو بلح البحر والجمبري، وتواصل معه البائع الفلبيني ببعض الكلمات العربية “أيوا، شوية شوية”؛ لأنه كان يعمل في أبها بالسعودية.

ميكو1

وفي بيت منج لي ينتظرهم أصدقاؤهم الصينيون، وارتدى ميكو سترة صينية سوداء اللون على البنطلون، فأصبح من فوق يعبر عن الصين ومن أسفل يعبر عن مصر من وجهة نظره، ثم نظر إلى شوندي، وعمل حركة من ضمن حركات الفنون القتالية؛ ليعلن أنه حان وقت العمل، وبدأ بتقطيع جميع الخضروات إلى قطع كبيرة من البصل الأخضر وعش الغراب والزنجبيل والبصل والفلفل الأحمر والثوم والكرنب الصيني، ويتميز الطعام الصيني بأنه صحي بسبب الخضروات الكثيرة، أما الطعام المصري فمذاقه أهم شيء بغض النظر عن قيمته الغذائية، وداعبه أصدقاؤه الصينيون: يبدو أنه من الصين فعلا، وكأنه من الصين أكثر منا، وطريقة تقطيعه أيضًا فنحن نقطع بهذه الطريقة في الصين.

وتأخر ميكو في إعداد الطعام، فتناول أصدقاؤه وجبة خفيفة؛ لأنهم يتضورون من الجوع، فوعدهم أنه سوف ينتهي في غضون دقيقتين، فردوا مازحين: دقيقتين مصريتين،فقال ميكو: نعم، (دقيقتين مصريتين) تعني سنة كاملة من الانتظار.

أشعل ميكو الموقد وحرك الحلة لأسفل لكي يقلد الطهاة، وهذه الحلة المقعرة تسمى في الصين “ووك” wok، صب ميكو قليلا من الزيت، ثم وضع جميع الخضروات؛ لتنضج قليلا، ثم وضع بلح البحر والجمبري وبعد دقيقتين رش كمية كبيرة من صلصة الصويا، واندهش أصدقاؤه الصينيون من كمية صلصة الصويا، فميكو يحب الملح في الطعام كثيرًا، ورش قليلًا من زيت المحار؛ لأنه سميك، وأخيرًا وضع النودلز فوق هذه المكونات؛ لكي تأخذ نكهة الخضروات والبحريات.

انتهي ميكو من إعداد الوجبة وقام أصدقاؤه بالتصفيق والهتاف، واحتضنتهم طاولة واحدة، وأمسك كل واحد منهم “عيدان الطعام” لكي يتذوقوا النودلز المقلية، وميكو يجيد الإمساك بعيدان الطعام؛ فالمصريون يأكلون بالملعقة والشوكة والسكينة.

ميكو3

يتفحص ميكو وجوههم؛ لكي يتنبأ أراءهم، فاليوم كان تحت ضغط؛ لأنه تمنى أن يعد لهم طعاما صينيا بنكهته الأصلية، كما أنه يطهو الطعام لناس يحبهم فقط، لكي يتحدث معهم ويسألهم عن أرائهم، ويكمن التحدي أنه يعلم أنه قادرعلى طهي طعام مذاقه طيب، لكنه غير قادر على طهي أطعمة لجنسيات معينة، ولا يطهو نفس الوجبة بنفس الطريقة.

أخبرته صديقته الصينية عن رأيها بصراحة: بلح البحر شوية كولد، وصلصة الصويا شوية ماتش، أما بقية الطعام فمذاقه شهي، وقيمه أصدقاؤه بين 7:6 درجات من 10، ولم يضجر ميكو؛ لأنه يرى أنه إذا لم يخطئ لن يتعلم، وإذا لم يقيمه الناس بصراحة لن يتغير إلى الأفضل.

ميكو4

جلس “هو منج لي” في زاوية صغيرة من الصالة، وصنع أسورة فضية تتدلي منها اسم ميكو باللغة الصينية، واسمه من حرفين فقط أما في اللغة العربية فاسمه من أربعة حروف، وأضاف قطعتين من النقود الصينية القديمة، وقطعة حجرية من اللون الأحمر، فالصينيون يحبون اللون الأحمر، فهو يرمز إلى القوة والنشاط والبهجة والحظ السعيد والبركة والود والجرأة والشجاعة، وأهداها لميكو، فغمرته السعادة؛ لأنه يحب اللون الأحمر، وكلما رآها سيتذكره وتجتاحه رغبة عارمة لزيارة الصين؛ بسبب حبه لمنج لي.

فميكو يرى أن كل إنسان سفير لبلده، ولن ينسى الحب والدفء الذي حصدهما من رحلة إعداد “النودلز المقلية” ومشاركة منج لي له في شراء المكونات وإعداد الطعام الصيني لهم، وتناول الطعام معهم، فدفئهم يذكره بدفء عائلته في مصر، فالصينيون يعرفون المعنى الحقيقي للعائلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

النودلز
عرض التعليقات
تحميل المزيد