لئن كانت الجراثيم «الميكروبات» مبعث قلق باعتبارها عنصرًا خارجيًا يتسبب في الأمراض المميتة أحيانًا، ورمزًا لغياب النظافة والتعقيم، فإن العلم ساهم في تغيير المفاهيم وتصدير رؤية أشد وضوحًا لتلك الكائنات الدقيقة المجهرية إذ أثبتت الدراسات أن أجسادنا تحتوي من 10 إلى 100 تريليون خلية ميكروبية تكافلية «موجودة بالأساس في الأمعاء».

الجينوم البشري بين التنبؤات والحقيقة

بعد تنبؤات أفادت أن الجينوم البشري متكون من 100 ألف جين، كشفت الدراسات أن عدد الجينات المشفرة للبروتينات لا تتجاوز الـ20 ألفًا جين وهي لا تعكس فعلًا المهام الموكلة إلى جسم الإنسان؛ مما يثير فينا تساؤلات عديدة: ما الذي يشكل «الإنسان» ومما يتكون الجينوم البشري؟ بالعودة إلى التثبت في عدد الكائنات الدقيقة والجينات التي تحتويها «ميكروبيوم» تبين أن هذه الكائنات المتعايشة معنا تقدم لنا سمات لا نستطيع تطويرها بمفردنا. بالإضافة إلى ذلك فإن «البصمة الميكروبية» أو تنوع الميكروبيوم للأفراد هائل مقارنة مع الاختلاف الجينومي «البشري فقط»: الأفراد متطابقون مع بعضهم البعض بنسبة 99.9٪ من حيث الجينوم البشري، ولكن يمكن أن يكونوا مختلفين بنسبة 80-90٪ فيما يتعلق بالميكروبيوم. بناء على هذه المعطيات بإمكاننا توظيف هذا الاختلاف لفائدة الطب الشخصي «أي استخدام البيانات الوراثية للمريض لإبلاغ قرارات الرعاية الصحية».

الميكروبيوم البشري

كما ذكرنا سابقًا فإن الميكروبيوم هو مجموعة الجينات التي تحتويها الكائنات الدقيقة التي تشاركنا أجسادنا، هذا التعريف قد لا يكون كافيًا؛ إذ نحتاج أن نوسع معرفتنا تجاه هذا العضو الخفي، وهو ما دفع جوشوا ليدربيرج سنة 2001 للتساؤل عن ماهية هذا الميكروبيوم البشري.

بدأت رحلة البحث عن إجابة لهذا السؤال من سنة 1680 مع فان ليونهيوك الذي شرع في مقارنة الميكروبات الحية الفموية والبرازية وأشار إلى الاختلافات اللافتة في الميكروبات بين هذين الموقعين / الموطنين، وأيضًا بين عينات من الأفراد أصحاء ومرضى، في كل من هذين الموقعين. في نفس السياق تمكن كابوراسو «2011» من أخذ عينات من المجتمعات الميكروبية لشخصين في الأمعاء، وتجويف الفم، والراحتين اليمنى واليسرى. كان من السهل تمييز المجتمعات في مواقع الجسد المختلفة عن بعضها البعض. على الرغم من أن بنية المجتمع داخل موقع معين كانت متغيرة للغاية فإن مستوى التنوع بين مواقع الجسم يختلف أيضًا، حيث يؤوي الفم والأمعاء أكثر المجتمعات تنوعًا. مجتمعة، تظهر هذه الدراسات أن الكائنات الحية الدقيقة للفرد تمثل نظامًا بيئيًا متغيرًا ومتجزئًا للغاية.

تعكس هذه الكائنات الحية الدقيقة باختلاف مواقعها تعبيرًا عن الظروف البيئية الخارجية والخلوية / الداخلية «درجة الحرارة، ودرجة الحموضة، والدهون الهرمونية، ومستويات البروتين، والتعرض للأشعة فوق البنفسجية، وغياب الضوء، ونوع الغشاء المخاطي»، كما تتأثر بطريقة الولادة؛ إذ يتميز الرضع الذين ولدوا بطريقة طبيعية «الولادة من خلال المهبل» باكتسابهم ميكروبات مهبلية على عكس الذي ولدوا عبر العملية القيصرية الذين يأوون ميكروبات الجلد، وعلينا أن نذكر أهمية الولادة الطبيعية في بناء مجتمع ميكروبي سليم ومتكامل. يستمر اكتساب الجراثيم على مدى السنوات القليلة الأولى من الحياة، حيث تبدأ الجراثيم المعوية للجهاز الهضمي لدى الرضيع في تشبه جزيئات الكبار في وقت مبكر من عام واحد من العمر.

المجتمع الميكروبي المعوي

تمثل الأمعاء موطنًا ملائمًا لتكاثر العديد من الكائنات الدقيقة، حتى أنها تمثل أضعاف عدد الجينات في الجينوم البشري ما يضمن التوسع الوظيفي للجينوم البشري المضيف، إذ تضيف الجينات الميكروبية العديد من أنواع الإنزيمات التي لا ينتجها المضيف، وبالتالي تمكنه من تسهيل عملية التمثيل الغذائي وتنظيمه الفسيولوجي.

يلعب المجتمع الميكروبي المعوي دورًا مهمًا في:

– مقاومة استعمار الكائنات الحية الدقيقة الخارجية، من خلال ممارسة ما يسمى «تأثير الحاجز». يمنع المجتمع الميكروبي المعوي استيطان البكتيريا الجديدة الخارجية الدخيلة «الضارة منها خاصة»: يقوم بحجز موطنه مانعًا بذلك البكتيريا الدخيلة من إيجاد مناسب لها لتتكاثر؛ ما يعني أنه شكل من أشكال المنافسة على الموطن والغذاء المتوفر أيضًا.

– وظائف المناعة: لدى المجتمع الميكروبي المعوي القدرة على تحفيز الخلايا الليمفاوية المعوية المشاركة في الاستجابة المناعية المضادة للعدوى، والعمليات الالتهابية المزمنة، وأمراض المناعة الذاتية، والسرطان. تساهم أيضًا هذه البكتيريات في تحقيق التوازن المعوي.

– وظائف التمثيل الغذائي: تلعب الجراثيم المعوية دورًا في عملية الهضم وفي عملية التمثيل الغذائي للعديد من العناصر الغذائية التي لا يمكن أن يهضمها المضيف.

هل نحمل جميعًا نفس المجتمع الميكروبي؟

قطعًا لا، ذلك أن الميكروبيوم يتأثر بالنظام الغذائي – أحد أهم العوامل التي تؤثر على تكوين وتنوع الميكروبات المعوية – ويقوم هذا النظام الغذائي على أغذية من أصل نباتي أو حيواني تحتوي على البروتينات، والكربوهيدرات، والفيتامينات، والمعادن، وهي عناصر غذائية أساسية لأجسامنا لإنتاج الطاقة اللازمة للنمو والحياة. من ذلك فإن أي تغييرات تطرأ على الأنماط الغذائية من شأنها أن تتسبب في تعديلات كبيرة على تكوين الكائنات الحية الدقيقة. في الحقيقة لا يمثل النظام الغذائي السبب الوحيد في تنوع الميكروبيوم البشري، السن، الوضع الصحي، تناول الأدوية «المضادات الصحية خاصة التي من شأنها أن تسبب في خلل على مستوى المجتمع المعوي ما يجر بسببه عدة أمراض كسرطان القولون» يمثلون أيضًا عوامل بإمكانها التأثير في تركيبة جراثيمنا المعوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الميكروبات

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد