تمثل حالة التعارض بين الأولويات الاستراتيجية للقوى الكبرى والإقليمية، صفة ملازمة لصراعات الشرق الأوسط، ولعل الحديث الذي أدلى به رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في مقابلة مع صحيفة اليوم السابع المصرية: مشيرا إلى «أن أولويات الدول الغربية، متعارضة مع أولويات دول المنطقة»،تمثل أبلغ تعبير لهذه الحالة، إذ نلاحظ بأن أولويات دول المنطقة مغايرة تمامًا لأولويات الدول الغربية، ولذلك تعذرت عملية إيجاد الحلول لأزمات المنطقة، ولنا في الأزمة السورية والليبية واليمنية، أبلغ مثال على ما تقدم.

ومن المعلوم أن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، تصرح بجديتها في محاربة الإرهاب في كل من سوريا والعراق، ولكن بدلًا من التحالف مع الحكومات رجحت التحالف مع مكونات داخل هذه الدول، ونقصد بذلك تحالفها مع الجماعات الكردية في كلا البلدين، حيث دعمتهم بالسلاح ودربتهم، وجعلت منهم قوة عسكرية فاعلة، مما هيأ لهم فرصة المطالبة بالحقوق السياسية، من قبيل الحكم الذاتي…إلخ.

وبالطبع جعل الأكراد قوة عسكرية فاعلة في المنطقة، يهدد الأمن القومي لكل الدول التي يتواجدون فيها، أي إيران وتركيا وسوريا والعراق، ولأن قوتهم ستغريهم وتدفعهم لطلب دولة ذات سيادة، كما فعلوا في شمال العراق، وبذلك سيهددون أمن ووحدة تراب هذه الدول، وقطعًا بدورها لن تقبل بقيام دوله كردية تكون مهددًا لأمنها ووحدة أراضيها، ومن أجل إجهاض مشروع كهذا ستتجه إلى تحالفات تكتيكية فيما بينها، بالرغم من تباين الرؤى حيال أزمات الشرق الأوسط.

علاوة على ما تقدم تضارب أولويات ومصالح القوى الغربية حيال الأزمة الليبية زادها تعقيدًا، وكما هو معلوم أن أولوية الدول الأوروبية وبعض دول المنطفة كمصر والسعودية والإمارات، هي إبعاد التيار الإسلامي من الحكم هناك، بينما بعض الدول الإقليمية كالسودان، وتركيا، وقطر تدعم الإسلاميين فيها، وهذا التضارب في الأولويات أدى إلى استعصاء الأزمة، مما أطال أمد الحرب فيها.

أما عن أسباب تغير أولويات الغرب تجاة أزمات المنطقة، تكمن في التالي:

أ‌. التغيرات الحاصلة داخل الدول الغربية: من المعلوم بعد صعود التيارات الشعبوية في أمريكا وأوروبا، لوحظت العديد من التغيرات الجذرية في سياسيات الدول الغربية حيال منطقة الشرق الأوسط، فمثلا بعد أن انتخب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، تغيرت سياستها الخارجية تجاة أزمات المنطقة، حيث لاحظ لها دورًا فاعلًا في أزمات بدلًا ما كانت تتبع سياسية انعزالية في فترة الرئيس باراك أوباما.

ب‌. تعاظم نفوذ القوى المهددة لمصالح القوى الغربية: السياسيات الخاطئة التي اتبعتها الدول الغربية، مثل تغير النظام السياسي في العراق، ودعمها لأحداث الربيع العربي، أحدث فراغًا أمنيًا، نتج عنه بزوغ تنظيمات إرهابية فتكت بالنسيج الاجتماعي والسياسي لدول المنطقة، بجانب ذلك نفذت هجمات إرهابية في العديد من الدول الغربية، مما أجبرها على تشكيل تحالف دولي تحت مسمى «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب»، ومن أجل نجاح عمليات التحالف كان عليها أن تعقد تحالفًا «إضطراريًا» من بعض دول المنطقة كإيران، وبدورها هي الأخرى سارعت في إرسال جماعاتها المسلحة لنفس المهمة، مما جعلها تفرض أمرًا واقعًا وتؤمن نفوذها في المنطقة، وبذلك صارت تهدد مصالح الدول الغربية في الشرق الأوسط، ويلاحظ بعد التقلص الحاد لنفوذ تنظيم داعش في سوريا والعراق، تغيرت أولويات الدول الغربية، حيث تحولت أولوياتها من محاربة الإرهاب إلى محاربة نفوذ إيران، ولذلك تحاول التنسق مع دول وكيانات مسلحة تمكنها من الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة.

مستقبل الشرق الأوسط في ظل تضارب الأولويات

وبالمجمل! صحيح أن الزمن القادم (المستقبل) لم يأت بعد، وهو ما يجعل من الرغبة في معرفة تفاصيله أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن من (الأمور المستحيلة)، ولكننا على الرغم من ذلك نعتقد بأن الاعتماد على عدد من المعطيات يمكننا من إيجاد الإطار العام له، والتقرب من معرفة تلك الاحتمالات (سيما وأن المستقبل أي بما يحفل به من أحداث هو من صنع البشر)، الأمر الذي سيجعل من تلك الاحتمالات أمرًا قابلًا للحصول، إذا ما توافرت الظروف الموضوعية لحدوث تلك المعطيات، وعند الحديث عن مستقبل منطقة الشرق الأوسط في ظل تضارب المصالح والأولويات الحاصل بين دول المنطقة والدول الغربية، يجوز التخمين بمواصلة الوضع التأزمي في المنطقة، في حال لم تغير الدول الغربية ساساتها الخاطئة تجاة دول المنطقة، وإن لم تعر مخاوف دول المنطقة اهتمامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات