عكس الجهد المبذول لتثبيت مصطلح الشرق الأوسط – للتعبير عن المنطقة التي يشكل العالم العربي قلبها النابض – أحد مظاهر التدافع الحضاري بين الغرب من جهة والعرب والمسلمين من جهة أخرى. برع الغرب في التخطيط والاستثمار في هذا الجانب المهم من المعركة، وقد ألقى نجاحه في تسويق المصطلح بظلاله على اتجاهات ونتائج حركة التدافع القائمة.

يؤكد شيوع المصطلح على هيمنة المنظور الغربي الهادف لإعادة رسم ملامح المنطقة وفقا لأسس جديدة، تتجاوز حقائق الجغرافيا والتاريخ واللغة والثقافة كركائز للهوية الجامعة للمقيمين فيها، وبطريقة تؤكد على الرغبة في طمس الوعي العربي بالذات الجمعية المتشكلة وفقا للأسس المشار إليها، فيما يتم تقديم المنطقة بثوب جديد يلائم ما يراه الغرب فيها، وما يريده لها أن تكون، لا كما هي على أرض الواقع.

ظهر المصطلح لأول مرة في بدايات القرن المنصرم عندما أطلقه بحار بريطاني لوصف بعض أجزاء المنطقة، واعتمد رسميا في أربعينيات القرن المنصرم، وأصبح شائعا ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. من المهم الانتباه إلى السياق الذي تولدت فيه الرغبة لصياغة مسمى جديد للمنطقة، وهو بكل تأكيد سياق الصراع عليها والتطلع للاستحواذ عليها غربيا، لا سياق الرغبة بترقيتها وتطويرها، أو توسيع دائرة تفاعلاتها بمحيطها، أو تجسير الفروق بين الأمم التي تقطنها عبر إيجاد حالة من التفاهم والتعاون فيما بينها، الأمر الذي نجح فيه الغرب بشكل واضح. غير أن الجهود لم تتوقف عند تغيير المصطلح الذي مثل خطوة أولى فحسب، بل واكب ذلك سعي حثيث لإعادة تشكيل الهوية المرجعية الكبرى لأهل المنطقة، وهو مسعى يتضمن بالضرورة إهالة التراب على عوامل القوة المؤكدة التي تتمتع بها الأمة العربية، والقادرة على تشكيل هوية متجانسة عرقيًا وجغرافيًا وسياسيًا وثقافيًا، ثم السعي لإحياء هويات بديلة تنهض على أسس ومقومات جديدة.

لا تتوقف تداعيات ذلك على إبطال مفاعيل الأسس المرجعية التي تشكل الهوية الجامعة للأمة العربية، والتي توفر لها درعا يدفع عنها محاولات الاختراق والإضعاف والتجزئة، بل إن من شأن ذلك أيضًا أن يمهد الطريق لاستنبات أي كيان غريب داخلها، طالما أن المصطلح قد أوجد حالة من السيولة الدلالية لهويتها الجديدة، وقد تم تنفيذ ذلك عمليًا من خلال زرع الكيان الإسرائيلي في قلب المنطقة العربية، وهي العملية التي تمنح بدورها دلالة المصطلح العائمة دفعة جديدة، بحكم الغربة الإسرائيلية التامة عن المنطقة.

غني عن القول أن التركيز الغربي على المنطقة العربية لا يتم بمعزل عن الموقع الاستراتيجي الذي تشغله على الخريطة العالمية، وبما يحتويه إقليمها الواسع من ثروات هائلة وموارد ثمينة، وقوى بشرية حيوية قادرة على العطاء والتنافس حال توفر النظام السياسي الصالح. إنها تتوسط جهات العالم الأربع، وتشكل حلقة الوصل بريا وبحريا وجويا بين أطرافه كافة. تؤهل هذه المزايا الأمة العربية في حال تجانسها واندماجها في نظام سياسي واحد لتغيير خريطة القوى العالمية بطريقة حاسمة، وعلى غير الوجه الذي يسود حاليًا، ولأجل منع حدوث ذلك فقد سعى الغرب ولم يزل للحيلولة دون تجسيد التماثل اللغوي والثقافي والجغرافي والتاريخي والديني للعرب في شكل كيان سياسي واحد.

ليس هناك إجماع واضح على حدود الجغرافيا التي يعبر عنها مصطلح الشرق الأوسط، ولكن ما هو واضح أنه تم إدخال بلدان غير عربية فيه وإخراج أخرى عربية منه، وهذا يكفي لتشتيت العرب وإضعافهم وتحييد القواسم المشتركة التي تجمع بينهم، وهو هدف غال اجتهدت القوى الاستعمارية لتثبيته وإدامته لأطول فترة ممكنة. من جهة أخرى فإن الغموض حول الحدود الجغرافية الدقيقة المشمولة بمصطلح الشرق الأوسط يخدم هدف إضعاف العرب، وتشتيت قواهم بطريقة واضحة.

ترقى الجهد الهادف لترسيخ مصطلح الشرق الأوسط بوصفه التعبير عن الهوية الجديدة للمنطقة العربية، درجات كبيرة بالتزامن مع ما تعرضت له الأمة العربية من التمزق والتشرذم والانقسام، مطلع العقد الأخير من القرن المنصرم، ما يؤكد على حقيقة الأهداف المتوخاة من وراء تسويق المصطلح، كما الجهة المستهدفة منه. فهذا شمعون بيرس، يعرض أفكاره حول الشرق الأوسط الجديد في العام 1994، وتقوم أطروحته على اعتبار أن التكنولوجيا الاسرائيلية والمال الخليجي والمياه التركية والقوى البشرية المصرية تشكل توليفة مناسبة للشرق الأوسط الجديد، الذي أراد له بيرس أن يكون بقيادة وريادة إسرائيلية كما هو واضح من طبيعة مساهمات أبرز الاعضاء فيه، وما كان لبيرس أن يتقدم بطرح كهذا لولا أن فكرة الشرق الأوسط قد نضجت، ولولا أن أعضاء المنتظم يتصرفون بوصفهم فواعل في هذا الشرق الأوسط، وأن علاقاتهم وهوياتهم ومصالحهم وسياساتهم محكومة بالسقف الذي حدده من أنتج المصطلح وأشاع استخدامه.

وفي خطوة تالية قام الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بالتنظير للشرق الأوسط الكبير إثر تكريس حالة الضعف العربية عبر احتلال العراق في العام 2003، ما يؤكد مرة أخرى على أن الشرق الأوسط ليس سوى البديل عن النظام السياسي العربي الموحد المفترض قيامه، كما أن العرب لن يكونوا في النظام الجديد سوى فاعل تابع وهامشي، على الرغم من أنهم يشكلون قلب المنطقة وعرقها النابض. ثمة مؤشرات على أن العرب سيدخلون مرحلة جديدة من التيه والضياع والضعف، في حال نجحت توجهات البعض منهم والهادفة للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، ورفع القيود عن التعامل معه، والقبول به كقاطرة لمشروع الشرق الأوسط الكبير دون تحفظ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد