في مسعاك الحثيث لامتلاك دولة قوية، وسلطة ذات بأس شديد، لزامًا عليك أن تملك مجتمعًا متزنًا طبقيًا، ومتماسكًا هويةً، ذلك أن الأنظمة السياسية هي انعكاس لهوية مجتمعاتها؛ فقد تكفل القرن الماضي بالصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الشرقي والغربي، والقرن الآني هو قرن الهوية بالدرجة الأولى، بدءًا بالبريكست إلى بورتريه (أمريكا أولًا).

في ظل العولمة أضحت شمس المعلومات حارقة، مناهل كثر؛ بدرجات متفاوتة تتراوح بين الإثارة والمصداقية، المهنية واللاأخلاقية، وجب على الأنظمة التعاطي معها، تلك الأنظمة (الدول النامية) تقع في مأزق حرج بين سندان قراراتها الاقتصادية المميكنة غير الآخذة بعين الاعتبار الجانب الإنساني، ومطرقة العولمة التي لا ترحم.

ومن أعماق تفسخ الهوية وتشرذمها، سيما وأنها قابعة تحت مظلة أنظمة شمولية سياسيًا، معاقة اقتصاديًا، خرج من هذا الرحم الخبيث كل أمراض الدول النامية، التي وهي بالمقام الأول داء اجتماعي عضال؛ فلم تسعٍ الأنظمة السياسية إلى مقاربة جديدة للهوية، ولكن مقاربة أمنية بالمقام الأول لمواجهة معضلاتها على الصعيد الداخلي، أو المنبطح خارجيًا، باستثناء بعض الدول مثل رواندا بعد حربها الأهلية، أو ماليزيا إبان حكم مهاتير محمد.

وقد زاد الطين بلة الفضاء الإلكتروني الموازي، سيما في ظل انعدام سيطرة الأنظمة في الدول النامية عليه، وأضحت الهوية معرضة إلى (لي العقول)، فقد انهارت الهوية بدءًا بوجبات (ماكدونالدز) انتهاءً إلى حالة العزلة بين الشخص وذاته، ثم محيطه الأسري الصغير والاجتماعي الأكبر؛ في سعيه للانفصال عن واقعه، تقاطعت معه الأنظمة في مسعاها نحو التهميش السياسي والاجتماعي، أضحى الفرد واقعيًا في عالمه الافتراضي، وافتراضيًا في عالمه الواقعي.

في مصر إبان حكم جمال عبد الناصر، وصل الأمر بنا معشر المصريين إلى تقديم الثورة ومبادئها على الديمقراطية، وأضحى مجتمعنا هويته مؤدلجة ومنصاعة للقائد الفوهرر؛ فمبادئ الثورة من المفترض أنها جزء من إطارٍ أكثر رحابة، كما أن المبادئ الثورية بها شيء من التطرف، وتحمل أيديولوجية نخبتها؛ في مقابل نظرية ديمقراطية واقعية مستقرة ومستقلة، إلا أن الشعب كانت له اليد الطولى في هذا الفصل، ليكتمل باقي السيناريو إلى وضعنا الحالي، ما شجع مجتمعًا جماهيريًا بالمقام الأول، قادمًا من غياهب الفساد والاستعمار والطبقية ليست المتفاوتة، ولكن الكارثية، على تنحية الديمقراطية جانبًا هو حالته المجتمعية التي يرثى لها، وإحساسه بانعدام الخيارات وفقدان المعنى، لكن العالم الافتراضي أوجد ألوان طيف مختلفة لهذا المعنى، بدرجات متفاوتة جدًا على مقياس رسم التأييد للأنظمة السياسية، وبالتالي حوت بوتقة الهوية عددًا كثيرًا كالعادة، إلا أن هذا العالم الافتراضي سمح لها بأن تطل في ثوب جديد ما بين القومية أحيانًا والتطرف مرات كثرًا.

يعتبر طابع الأمننة (إضفاء البعد الأمني في كل شيء) هو أكبر خصوم الهوية، ذلك أنه يولد الشك أكبر دوافع الفوضى، الشك هنا يبدأ من قدرات الفرد في نفسه مرورًا بدائرته الصغرى ثم محيطه الأكبر؛ فتجد من يزجر بأصدقائه إلى جهات أمنية نظرًا لأمرين الأول دعاوى انهيار الدولة وهو ما يستدعي الأفراد إلى مساندة الحاضنة الأم لهم، والثاني الخوف من أن يتم تسليمه هو من قبل أصدقائه بل من والديه إذا اقتضى الأمر.

تراهن الأنظمة على استدعاء الهوية في مشكلاتها وأزماتها، وهذا الاستدعاء يتم التجاوب معه، إلا أنه مؤقت وانفعالي بدرجة كبيرة، ويتوقف اضطراده على العائد نفسه، وهذا العائد قد يكون بسيطًا كمجرد ضخ مزيد من أدرينالين القائد في رؤوس تابعيه، وهو ما يشعرهم بالاسترخاء ولذه تولد قوة دافعة وممانعة ضد جو المؤامرات والتخوين، ومزيد من انبطاح الأفراد وهويتهم للقائد ذلك أنهم أثبتوا لأنفسهم وللعالم أنهم على الطريق الصحيح، وهو حقًا صحيح على مستوى العقل الجمعي أو برمجة الأفراد.

لقد تحولت الهوية من جراح إلى مريض؛ فبعد أن ساهمت في تكوين الدولة الوطنية، ثم التكتلات الإقليمية فالعالمية إلى المعول الأول لهدم ما تم علاجه، وأضحى الطبيب مريضًا بتخصصه، وعليه أن يذهب إلى مريضه السابق حتى لا يذهب هو نفسه أدراج الرياح، حتى في عالم كرة القدم تحولت هوية المشجع من منظومة أو كيان إلى مجرد لاعب، لاعب يتنقل في محطات متعددة، وتنتقل معه هوية مشجعيه، وهي هوية رخوة، أو فيليه إن صح القول، وهو ما يطرح سؤالًا مهمًا هل تتحول الهوية من صفة الجماعية في الانتماء والإيمان إلى الجانب الفردي؟ فبدلًا من انتمائك إلى الحاضنة الأم تنتمي إلى أحد أبنائها العاقين بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد