اتخذت العديد من البلدان الكثير من التدابير الحازمة قصد التصدي لجائحة كورونا، من أهمها إعلان حظر التجول، حيث أصدرت السلطات الأردنية شأنها شأن العديد من دول المنطقة، قانون الدفاع الوطني ( حالة الطوارئ)، وهو قانون أوقف منذ عام 1992، وجرى تفعيله للتعامل مع الوباء، ويشمل إجراءات تروم وقف جميع الأنشطة في القطاعين العام والخاص، وحظر إقامة جميع أنواع المناسبات العامة، وإغلاق الأماكن الدينية، ونشر الجيش بمختلفة المدن؛ لضمان الامتثال لقانون حظر التجول.

وقد جرى تبرير هذه الإجراءات الجذرية التي اتخذتها مختلف دول المنطقة، بعدم قدرة أنظمتها الصحية على مواجهة جائحة بهذه الخصائص، نظرًا إلى عدم استثمارها في مجال الصحة العامة. فيما تضاعفت آثار هذا الوباء العالمي في البلدان المنغمسة في الصراع، إذ أكد جوليان بارنز ديسي، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، أن هذه الديناميكية تهدد بدفع هذه البلدان إلى دائرة مفرغة، خاصة أمام تفاقم أوضاع المعيشة لدى مواطنيها بسبب انهيار نظمها الاقتصادية.

أما بالنسبة لدول الخليج، فقد ساهم توفرها على أنظمة رعاية صحية قادرة على التعامل مع الأزمات المماثلة، بالإضافة إلى تخصيص استثمارات مهمة لتطوير نظمها الصحية، في الاستجابة بشكل أكبر للإشكالات التي يطرحها وباء كورونا على المستوى الصحي والاجتماعي والاقتصادي، إلا أن خطر انتشار العدوى يظل مرتفعًا في مجتمعات العمال الأجانب، خاصة وأن العديد منهم يفتقرون إلى الرعاية الصحية ويعيشون في ظروف لا يكون فيها التواصل الاجتماعي خيارًا، حسب سينزيا بيانكو، عضو بـECFR.

وعمومًا، فإن الميزة الديمغرافية للمنطقة والمتمثلة في وجود نسبة كبيرة من الشباب، ما يقرب من 60% من سكان الدول العربية تحت سن 30، مما يعني أن غالبية السكان يمكنهم التغلب على عدوى فيروس كوفيد-19، ساهمت بشكل ملحوظ في انخفاض عدد الوفيات حتى الآن. ومع ذلك، فإن الافتقار لخدمات الرعاية الصحية، خاصة بالدول غير النفطية بالمنطقة، وانتشار أمراض مثل مرض السكري، يمكن أن تفضي إلى انتشار الفيروس، خاصة بين الفئات المهمشة والمهاجرين واللاجئين.

 

1- التأثير الاقتصادي لوباء كورونا في المنطقة

إذا لم يكن التأثير الصحي شديدًا كما هو الحال في مناطق أخرى، فإن الأثر الاقتصادي يبدو أكثر خطورة. إذ تقدر اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة (الإسكوا) أن الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية سينخفض بما لا يقل عن 42 مليار دولار خلال عام 2020، بنسبة 1.5%. على الرغم من أن الرقم قد يكون أعلى إذا أضيفت آثار انخفاض أسعار النفط والتباطؤ في الاقتصاد الناجم عن توقف مجموعة من الأنشطة التجارية والخدماتية.

وحسب عمر العبيدلي، مدير الأبحاث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ودراسات الطاقة في البحرين، فمن السابق لأوانه تقييم الأثر الاقتصادي بشكل دقيق، و يضيف قائلًا: «على عكس البلدان الأخرى، سيكون التأثير في دول الخليج، أولًا وقبل كل شيء، نتيجة لانخفاض أسعار النفط، لكن معظمها في وضع يسمح لها بالاقتراض حتى تتعافى الأسعار».

في هذا الصدد، يبدو أن المملكة العربية السعودية وأبوظبي هما الأفضل وضعًا، حيث يمتلكان على التوالي احتياطيًّا بقيمة 502 مليار دولار و850 مليار. فيما ستتأثر دبي وعمان بشكل أكبر من الأزمة بسبب تراجع قطاع التجارة مع الصين، اللتين يعتمدان عليهما بشدة.

من جانب آخر، يعد قطاع السياحة من أكثر القطاعات تأثرًا، إلى جانب الطيران، وتجارة التجزئة والنقل، والضيافة. حيث تقدر منظمة السياحة العالمية (WHO) أن الخسائر يمكن أن تتراوح ما بين 30 ألف و50 ألف مليون دولار على مستوى العالم، مع ضرورة الإشارة إلى أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ هي الأكثر تضررًا، وذلك بانخفاض يتراوح بين 9 و9. 12% من التدفق.

وفي هذا الإطار، فقد رصدت دول مثل الأردن، ولبنان، وتونس، ومصر، والمغرب، ميزانيات مهمة من المالية العامة لهذا القطاع من الاقتصاد، نظرًا إلى الآثار الذي خلفها قرار إغلاق الحدود وإلغاء الرحلات الدولية على قطاع السياحة؛ إذ أعلن وزير السياحة والآثار المصري، خالد العناني، في مؤتمر صحفي أن الخسائر في القطاع ستصل إلى مليار دولار شهريًّا، فيما

تقدِّر «الكونفدرالية الوطنية للسياحة» بالمغرب أنَّ الخسائر المتوقَّعة لعام 2020 تبلغ تقريبا 3.4 مليار يورو من إيرادات السياحة الإجمالية.

ويقول العبيدلي في هذا الصدد، إن «الوضع سيزداد سوءًا بسبب حقيقة أن العديد من المشتغلين في هذه القطاعات هم شركات صغيرة ومتوسطة الحجم، لا تملك ما يكفي من الائتمان لامتصاص صدمة طويلة وضارة مثل هذه»، مضيفًا أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومات ستكون مفيدة، لكنها تواجه إشكالية العقبات البيروقراطية التي تؤدي إلى التأخر في تنفيذها، مما سيعرض العديد من المقاولات للإفلاس.

بالإضافة إلى ذلك، فقد تسببت أزمة أسعار النفط الناتجة من الحرب الاقتصادية بين السعودية وروسيا في أكبر انخفاض لأسعار النفط منذ حرب الخليج في عام 1991. وبحسب الإسكوا، فقد قدرت الخسائر بنحو 11 مليار دولار بين يناير (كانون الثاني) ومنتصف مارس (آذار)، كما أن الخبراء الاقتصاديين يؤكدون أن تراجع التجارة الدولية سيؤدي إلى تفاقم الوضع الاقتصادي للبلدان النفطية.

2-وباء كورونا وأثره في مجال حقوق الإنسان بالمنطقة

يمكن أن يكون للتدابير المتخذة للاستجابة لأزمة كورونا عواقب سلبية على الحقوق الأساسية للأفراد، وخاصة في البلدان العربية التي يشكك في احترامها لمضامين دساتيرها، خاصة أن حالات الطوارئ التي دامت لعقود ببعض البلدان، لا تدعو إلى التفاؤل، ويقول في هذا الصدد، آدم كوغل، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: «بمجرد أن ينتهي كل هذا بشكل معقول، يجب تعطيل حالات الطوارئ الحالية».

إذ يؤثر تطبيق هذه التدابير في العديد من الحقوق الفردية، مثل حرية التعبير والحق في الحصول على المعلومة. وحسب آدم كوغل، فمشكلة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي وجود أزمة ثقة بين المواطنين وأنظمتها، بسبب عدم نزاهة هذه الأخيرة وشفافيتها.

إن إدارة الأزمات من قبل دول مثل مصر، المغرب، الجزائر وغيرها من الدول تعرِّض المنطقة بأكملها للخطر، حيث اتُّهمت هذه الأنظمة بإخفاء المعلومات الخاصة بمدى انتشار الوباء عن مواطنيها، أو تقليل عدد الحالات المؤكدة أو إنكار وجودها. فيما اتجهت أخرى إلى اعتقال النشطاء المعارضين لها في مواقع التواصل الاجتماعي، بتهمة «نشر الأكاذيب وانتقاد المسؤولين الحكوميين على وسائل التواصل الاجتماعي»، واعتُقل آخرون بتهمة ترويج أخبار زائفة، بعد مشاركتهم لمقاطع فيديو أو تدوينات تؤكد إصابات بفيروس كورونا. حيث عملت الحكومة المغربية مثلًا، على محاولة تمرير مشروع قانون 22.20 الذي أطلق عليه من طرف نشطاء المواقع التواصل الإجتماعي بقانون «تكميم الأفواه»، والذي حاولت من خلاله التضييق على مجال حرية التعبير، وذلك بوضع قيود قانونية سالبة للحرية في حق كل من نشر أو ساهم في نشر معلومات تدعو إلى التحريض على مقاطعة منتجات الشركات المغربية، أو الإساءة لها، وهو الأمر الذي دعا إليه سابقًا نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي لردع جشع بعض الشركات التي يشتغل مالكوها بالمجال السياسي، ويتقلدون مناصب حكومية وازنة بالمغرب.

من جهة أخرى، أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش وجوب الإفراج عن جميع السجناء رهن الاعتقال الاحتياطي والمدانين بجرائم غير خطيرة، وهو الاتجاه الذي تبنته بعض الأنظمة العربية، حيث أعلن ملك البحرين عفوًا ملكيًّا لـ901 محتجز لأسباب إنسانية، فيما أفرج ملك المغرب عن قرابة 5 آلاف سجين، مع استثناء معتقلي الرأي العام، أما الدولة المصرية فقد رفضت إطلاق سراح السجناء، رغم انتشار الفيروس داخل مؤسساتها السجنية.

في المقابل فقد شهدت المنطقة بعض المبادرات الإيجابية، حيث أرسلت الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر مساعدات إنسانية إلى إيران، تتضمن معدات طبية ومساعدات مالية، وبالتالي وضع التنافس جانبًا من أجل الصالح الإقليمي. من جهتها طلبت حماس مساعدات إنسانية من قطر وتركيا قصد مواكبة التوسع الأولي للوباء في قطاع غزة، وتبين مثل هذه الإجراءات أنه بدون التعاون الإقليمي، قد تستمر الأزمة لفترة أطول مما كان متوقعًا، محصلة بذلك خسائر ثقيلة خاصة بالمناطق التي تعيش على وقع عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد