بعد مرور 100 عام على اتفاقية «سايكس بيكو» تشهد اليوم منطقة الشرق الأوسط عامةً والمشرق العربي خاصةً تدافعًا إقليميًا ودوليًا لمشاريع متعددة ومصالح متقاطعة، ومع ازدياد الأزمات تعقيدًا يزداد معها الغموض ويصعب علينا تصور مستقبل المنطقة ومعركة شعوبها مع الاستبداد الداخلي والخارجي، هنا ومع تعدد وتقاطع أولويات القوى المتصارعة الإقليمية والدولية ثمة من يدعو إلى محاربة الإرهاب وبالوقت ذاته يدعم أنظمة الاستبداد بدعوى الحفاظ على الاستقرار. في المقابل تقف بعض الأطراف الدولية الأخرى مع مطالب الشعوب في التحرر وبناء أنظمة ديمقراطية حديثة، وترى هذه القوى أن ما يحصل في العالم العربي من ثورات على الاستبداد والفساد هو تطور طبيعي حتمي لا يمكن التراجع عنه أو الالتفاف على هذا المسار لأنه واقع نسير فيه لا كما نسمع.

إن ما يحدث في العالم العربي هو مخطط لتقسيم المقسم وترى تلك القوى أنه لا يمكن الجمع بين إرادة الشعوب وتقسيم الأوطان، وعليه لا بد من تمكين الأقليات من الحكم لكي تبقى الهوة بين الحاكم والمحكوم واسعة ويظل الحاكم محميًّا بحماية دولية خارجية، بدلًا من الاستناد إلى القاعدة الشرعية (حزب العدالة والتنمية التركي نموذجًا) لهذا النوع من أنواع الحكم المزعجة للطموح الغربي الأمريكي في المنطقة.

نحن نعيش في العالم العربي في دورة تاريخية، فلم تبدأ هذه الدورة التاريخية من بعد الربيع العربي فقط وإنما بدأت من قبل المواطن العربي، لم يعد كما في السابق أصبح هناك فكر ووعي جديد يتشكل في أوساط الناس، أصبح هناك شعور من قبل الفرد بأنه يمتلك سلطة. اليوم في العالم العربي أصبح الفرد يعتقد أن بإمكانه أن يفعل شيئًا أو أن يعبر على ما يدور في ذهنه إلى دوائر أكبر وذلك بفعل الثورة الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي، فما أن بدأ المجتمع العربي يخرج عن عباءة الغرب والسيطرة الأمريكية عبر الثورات العربية إلا وتم القضاء عليها والوقوف بجانب الأنظمة الديكتاتورية وتمكين العسكر، وحين عجزت المؤسسات العسكرية عن إخماد طموح الشعوب العربية وتطلعاتها تم الاستعانة بتسليح المليشيات الأيديولوجية لنعيش في حالة اللا دولة حتى نخضع لمطالبهم.

رغم تلك المحاولات فالشرق الأوسط بدأ يتشكل من جديد؛ فمع انهيار الأنظمة القديمة التي أصبحت غير قادرة على تقديم شيء جديد للمواطن العربي في ظل تقدم العالم من حوله، الأمر الذي عزز ضرورة التغيير والخروج من هذه الدوامة وتوفير عيش كريم يليق به بوصفه إنسانًا على هذا الكوكب الأزرق.

لهذا يجب علينا في الشرق الأوسط دولًا وشعوبًا أن ندرك أنه لا يستطيع كل من الطرفين القضاء على الآخر وأن نستلهم ما حدث في أوروبا بعد مقتل أكثر من ثلث سكانها، وفي الأخير وصلوا إلى قناعة أنه لا يمكن إقصاء أي طرف من الأطراف ثم اجتمعوا على عمل نظام سياسي واقتصادي جديد يقوم على المصلحة العامة «لا غالب ولا مغلوب» ومنطقة الشرق الأوسط ستدرك تدريجيًا هذا. فمع بداية الانسحاب الأمريكي وتوجهه إلى وقف نفوذ التنين الصيني، كذلك الحال مع روسيا التي تواجه تحديات جمة أهمها الأزمة الاقتصادية مع انخفاض النفط، وتكاليف الحرب في سوريا، والعقوبات الاقتصادية الأوروبية والأمريكية بسبب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، كما أن منطقة اليورو أيضًا تواجه أزمات اقتصادية في كل من اليونان وإيطاليا وإسبانيا، وأصبح الاتحاد الأوروبي على وشك الانهيار، فضلًا عن مطالبة البريطانيين بالخروج من الأسرة الأوروبية؛ يوحي ذلك بتغييرات جيوإستراتيجية، لهذا تعتبر هذه فرصة كبيرة لشعوب المنطقة بمنع فرض واقع جديد يرضيها لا يرضي الأطراف الأخرى، كما أنها فرصة لدول الشرق الأوسط لإنشاء كيان جامع يحقق الاستقرار للجميع سواء العرب أو الأتراك أو الإيرانيون، حيث يصبح هناك تعاون حقيقي في جميع النواحي الاقتصادية والسياسية، والتوجه بعدها إلى إزالة المرض الخبيث المتمثل في الدولة الصهيونية وتعود أرض فلسطين دولة عربية كما كانت من قبل. صحيح أن هذه الفكرة تبدو مثالية في وقتنا الراهن لكنها قد تصبح حقيقة لو منعت اليد الخارجية من العبث بأمن المنطقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد