كانت وما زالت جميلة رغم عمرها الطويل، تنخر عظامها الأمراض، لكنها تمشي مع الزمن بخطى واثقة إلى قدر تريده لنفسها تُنشِئهُ بنفسها وليس بأيدٍ ماكرةٍ مخادعة، تفكر على طول الدرب تتذكر ما رأت وما به مضت من حروب ومجازر، نساء تبكي ومآسٍ، تطورات تحدث واختراعات، علومٌ تنشأ وفلسفات، إمبراطوريات تندثر وحضارات، في رحمها ثقافات تولد ولغات وبين يديها تحضن الأديان، قلب الدنيا هي ولكن الشرق الأوسط سُميت.

تجيء ذاهبةً وتمشي جالسةً ساعات أيام سنين الشرق الأوسط بدياليكتيكية متناغمة تتراقص على أوتار الأديان الرأسمالية والسلطة الكوانتومية بألحانِ حضاراتٍ مثقفةٍ بأخلاق سياسية دوغمائية متطرفة لتضع الأمل بين المطرقة والسندان، تحُرق بنارٍ تعسفية وتنزف دمًا حتى تلتهب الجراح بجماعاتٍ إرهابية تمتد وتنحسر على شواطئ كانت وما زالت جميلة رغم عمرها الطويل.

 قضية السلطة

يبين لنا الفيلسوف القائد عبد الله أوجلان أن الشرق الأوسط كان ومنذ القدم متعرفًا على قضايا الطبقية والسلطة وأن أول منظومة هرمية قبل السلطة كانت تحالف بين (الرجل المستبد الماكر + الشامان والراهب + الرجال العجائز الخبراء) وكانت نواة كل القضايا الاجتماعية وأيضًا نظام السلالة والموجود حتى يومنا الحالي قد تطور ضمن نظام القبيلة ولكنه ينكره وهو الطبقة الحاكمة الأولى والنموذج المبدئي للسلطة والدولة، وقد أفسحت المجال أمام تعدد الزوجات وحياة الحريم ونظام الجواري وامتلاك بعض الرجال لعشرات النساء ومئات الأولاد.

كما أن قضية السلطة تترابط بشكل وثيق وتتأثر بالقضية العسكراتية والاقتصاد ولهذا نجد الجناح العسكري يخصص لنفسه الحصة الكبرى من اختلاس القيم الاقتصادية بالتناسب طرديًا مع مدى قوته والغزوات القائمة في التاريخ بهدف كسب الغنائم إنما توضح هذه الحقيقة بكل جلاء، هذا ومن الساطع سطوع النهار أيضًا أن الملك يكمن في أساس الدولة. لذا فإن الجناح العسكري هو الاحتكار الأكثر رقيًا وتعيينًا ومثلما يذكر على الصعيد الأيديولوجي فالجيش العسكري لا يهدف إلى المجد والشرف والبطولة (هذه دعايات أيديولوجية يتم تطويرها بغرض حجب وتحريف أهمية جوهر الأمر) بل هو موجود كعنصر لا استغناء عنه من عناصر احتكار السلطة.

السلطة ظاهرة أكثر انتشارًا من الدولة، فالسلطة تعاش كثيرًا حتى مع عدم وجود دولة لذا يتوجب تقييم بؤر السلطة على أنها ضرب من احتكارات رأس المال إذ لا معنى للسلطة دون ربح.

هنا وعند تفسير هذا الكلام نرى أن مشكلة السلطة وكما يبينها القائد متعلقة بالدرجة الأولى بالمال، الربح وتلاقي المصالح التي تولد الدولة فيما بينها ويقوم أصحاب المصالح الذين يكونون في الظل أغلب الأحيان بسن القوانين والتشريعات التي تفيد مصالحهم بشكل مباشر أو غير مباشر وهذا ما يبينه لنا الضرائب ورسوم الاشتراك والجزية وما شابه، وأيضًا عند حدوث أي مشكلة أو دخول السجن أو القيام بعمل غير قانوني فقط المال هو ما يحل المشكلة وهذا ما يهم (جمع المال) من الصالح والطالح في الأفراح والأتراح وفي الحق والباطل.

وبذلك وعند دراستنا لقضية السلطة يجب علينا العودة لمنشأ السلطة والمنتمي بامتياز لعهد سومر والزيقورات المقسمة على أساس الطبقية وظهور السيد والعبد، الحاكم والمحكوم، الإله وأتباعه.

ما قبل دولة سومر وفي سياق تطور المجتمع الطبيعي لم يتواجد أي نوع من أنواع السلطة والحكم القسري لأي من المجموعات في الهلال الخصيب وكانت الحياة متماشية ومتكاملة مع الطبيعة وكان الإنسان يجد نفسه جزءًا من
الطبيعة نفسها ومتعلقًا بها لذا وبوجود المساواة بين الرجل والمرأة كان المجتمع يتكل على السياسة، الاقتصاد، الأخلاق والعدل الموجود عند البشر دون تفريق بيولوجي أو عرقي وكانوا يمارسون عباداتهم من دون الخروج عن مصلحة الكلان.

لكن بتخلخل التوازن في الزيقورات السومرية واعتمادها الهرمية الرجولية المطلقة أصبح من العسير أن تعود المرأة نصف المجتمع لأن الرجل الكامل لا يحتاج إلى المرأة الناقصة ولا حتى إلى آلهة مؤنثة في مجلس الآلهة الرجولي وإلا كيف سيكون المجلس ذكوريًا. ولد من ذلك المرأة الأَمَة والعبيد وإلغاء دور الأخلاق والسياسة في المجتمع الذي ما عاد باستطاعته أن يكمل مسيرته التاريخية كمجتمع بدون الضوابط الأخلاقية والسياسية المدبرة لشؤونه، هذا بالضبط أساس السلطات المجتمعة في الدولة (حاجة المجتمع إليها لتسيير أمورها) وبهذه السياسة السلطوية المعتمدة على أساس التراكم الرأسمالي لن يستطيع المجتمع أن يصل إلى مستوى يمكنه من إدارة نفسه بنفسه فينتج عن ذلك مجتمع حيواني خائر القوى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك