على الرغم من أن قضية القدس قضية مركزية في السياق التاريخي والديني للدول الإسلامية، إلا أن مواقف الدول العربية والإسلامية لم تكن على مستوى الحدث الذي فجَّره الرئيس الأمريكي ترامب بإعلانه القدس عاصمة لإسرائيل، وهو إجراء خطير له تبعات سياسية من شأنها إنهاء حلم إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، ومع أن عبارات التنديد والاستنكار قد طغت على خطابات الرؤساء والملوك ووزراء خارجية الدول العربية والإسلامية، وجعلت مواقفهم تبدو متقاربة من ناحية الخطاب الإعلامي على أقل تقدير، إلا أن هذا التقارب ما يلبث أن يتلاشى عندما ندقق النظر ونحلل تلك المواقف.

وخير دليل على ذلك ما مثَّلته قمة إسطنبول لدول منظمة التعاون الإسلامي من تحدٍّ كبير واختبار حقيقي لمواقف الدول إزاء قضية القدس؛ إذ انعكس الانقسام الكبير بين الدول العربية والإسلامية على فاعلية القمة، فقد غاب بعض الملوك والرؤساء عن القمة، وجاء حضور بعضها الآخر بطعم الغياب، ولا سيما الحضور السعودي الذي جاء خجولًا.

إذ أوفدت المملكة العربية السعودية وزير الدولة للشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ، كما أوفدت الإمارات وزير الدولة للشؤون الخارجية، أنور القرقاش، وأوفدت البحرين وزير دولة ليمثلها في هذه القمة الاستثنائية، وهذا يشي بعمق الأزمة والخلافات التي تعصف بالعلاقات السياسية والاقتصادية بين دول منظمة التعاون الإسلامي، ولكن هذا لا ينفي الحضور القوي والفاعل لغير دولة.

إذ بدا الحضور التركي فاعلًا من خلال حرص الأتراك على إنجاح هذه القمة، والدفع باتجاه اتخاذ قرارات ذات فاعلية وتأثير تكون سببًا لجعل ترامب يتراجع عن قراره، وتشعره بمدى الخطورة السياسية والأمنية التي يمثلها القرار الأمريكي على المنطقة بشكل خاص، وعلى الأمن والسلم العالميين بشكل عام، وقد أكد البيان الختامي للقمة على تقديم الدعم المالي للفلسطينيين، ودعوة دول العالم التي لم تعترف بدولة فلسطين إلى الاعتراف بها، ولا سيما أن دولًا كثيرة قد عبرت عن رفضها قرار ترامب، وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا ومعظم دول الاتحاد الأوروبي.

كما دعت القمة إلى ممارسة كل أنواع الضغوط الإعلامية والسياسية، وتحريك قضية القدس في الأمم المتحدة، الأمر الذي يمثل شكلًا مباشرًا من أشكال الضغط على الإدارة الأمريكية، وجعلها تفكر مليًا في مراجعة قرارها بشأن القدس، وقد رفضت القمة بالإجماع اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، كما رفضت القمة استمرار الولايات المتحدة الامريكية في رعاية عملية السلام لكونها طرفًا غير نزيه في عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ وبالتالي عليها الخروج من رعاية عملية السلام لكونها قد أظهرت دعمها المطلق لإسرائيل على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، وقد نسف قرار ترامب عملية السلام من أساسها؛ إذ لم يعد بالإمكان المضي فيها وقد تم المساس بقضية بالغة الحساسية بالنسبة إلى الفلسطينيين من جهة، وللمسلمين حول العالم من جهة ثانية.

ولكن ثمة سؤالًا ملحًا عما يجب على دول العالم الإسلامي أن تفعله بعد انتهاء القمة، وماذا تبقى من إمكانات الرد الواقعي على القرار الأمريكي؟ ولا سيما بعد غياب 10 دول عن القمة وخفض التمثيل فيها لدول مهمة من دول المنطقة، وقد فوجئنا اليوم بتصريح لوزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، أشار فيه إلى أن الولايات المتحدة طرف نزيه وموثوق فيه، ويجب أن يستمر في رعايته عملية السلام، وهو تصريح يظهر مدى الانقسام العمودي بين دول المنطقة.

وقد أظهر هذا التصريح للخارجية السعودية أن هَم المملكة في هذه الأثناء هو الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، ولو كانت على حساب أهم قضية في ضمير الشعوب العربية والإسلامية على مدى عشرات السنين. وإن كانت قرارات قمة إسطنبول سياسية ورمزية أكثر منها عملية، فإنها قد كانت أكثر عزمًا وجدية من قمة الجامعة العربية التي عقدت في القاهرة الأسبوع المنصرم؛ إذ كانت قمة إعلامية وشكلية، ولم تتخذ أي قرار من شأنه إرغام ترامب على التفكير في التراجع عن قراره أو تعليقه على أقل تقدير.

وفي المقابل نجحت تركيا في حشد أكبر عدد ممكن من دول منظمة التعاون الإسلامي لتشكيل جبهة ضغط ذات أطر سياسية وإعلامية، فضلًا عن القرار المهم الذي تم اتخاذه، وهو الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين؛ لذا ينبغي على منظمة التعاون الإسلامي البناء على قمة إسطنبول، واستثمار حالة الزخم الإعلامي والشعبي والدولي الرافضة القرار الأمريكي من جهة، ودفع الفلسطينيين إلى تحقيق وحدة وطنية شاملة تتجاوز مسألة المصالحة؛ لتشكيل جبهة فلسطينية متماسكة تستطيع مواجهة المتغيرات الأمنية والسياسية التي ستنتج من القرار الأمريكي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد