«إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم» (البقرة 118).

الهجرة ذلك الفعل السياسي الفذ أفرز التقويم الهجري الذي منح الدولة الإسلامية شخصيتها المميزة.

إنه لا غرابة في أن دولة التوحيد والحرية والقانون حصنها تأريخها من عناصر الوثنية والطغيان. لقد كان اختيار حدث الهجرة للتأريخ اختيارًا موفقًا من عملاقي الإسلام عمر وعلي.

رضي الله عنهما فالأول كان يمقت الطغيان واشتهر بالعدل والثاني لم يسجد لصنم قط. وأشهر السنة الحالية هي أشهر رومانية الأصل وسميت بالميلادية لإضفاء نوع من الاحترام عليها. هذه الأشهر تحمل تخليدًا للوثنية وتعظيمًا للطواغيت فمثلًا شهر يناير مشتق من اسم للإله (يانوس) إله الشمس بزعمهم، وكذلك شهر أغسطس سمي باسم أول قياصرة روما تعظيمًا له. وقبل أن ندخل في موضوع الهجرة من حيث المعنى والأسباب والنتائج والتخطيط الإداري البديع لابد لنا من نظرة عامة على مكة قبل الهجرة ومع بداية الدعوة لقد كان للملأ دولة قائمة على عقيدة وبحكم الواقع فقريش سدنة البيت الحرام الذي تعظمه العرب وتحج إليه عامًا بعد عام، ولها شعب ولها إقليم وهذا هو التعريف القانوني للدولة على أرض الواقع، وأما السلطة فهي سلطة مغتصبة للسيادة العليا لله على أرض الله وعلى خلق الله. لهذا أرسل الله رسوله بالدين الجديد الإسلام ومنطق الدين هو أن يغالب الشرك في مكانه وينزع من السلطان والأرض والناس، لإقامة العدل على قاعدة «وأمرت لأعدل بينكم».

لقد كانت دعوة الإسلام صدمة عنيفة للملأ من قريش، لقد علم قادة مكة مآل مصالحهم ومكانتهم إن استقر الدين الجديد على مبادئ العدل والحرية والمساواة وهذا ينكر عليهم الرغبة في السيطرة والاستعلاء والاستغلال والقهر والهوى «وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا». ونظرًا لعصبية القبيلة استخدمت قريش سياسة الترغيب حيث أغرق الرسول صلى الله عليه وسلم بالمال والسلطة وجمال النساء. فلما أحسوا بالفشل تحولوا إلى سياسة إعلامية غادرة لعلها تخيف الداعية وتفرق عنه الأتباع فنبدأ بالتشهير والاستهزاء والاتهام بالسحر والكهانة والكذب وباءت المحاولة بالفشل أيضًا فثارت ثائرة الملأ واستخدم سلاح القوة الغاشمة، ذلك أن جشع القوة واليسار يغلق القلوب عن الحق كما أن الغنى المترف في النبلاء والأغنياء يطغي لدرجة القتل خارج القانون «كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى».

ويمكن أن نفسر ذلك من طبائع الإنسان أنه يحب العدالة مظلومًا ويكرهها ظالمًا، ويطلب الحرية مرؤوسًا وينكرها رئيسًا، ومن ناحية أخرى عدم قدرة عقولهم على استيعاب المعطيات الفكرية والأخلاقية والروحية والثقافية الجديدة ولقد توفر للملأ من قريش عناصر السيادة الاستبدادية من أرض والناس والسلاح والفكرة (الأيديولوجيا) تتوفر في ادعاء قريش الشرف على قاعدة أنهم سدنة البيت الحرام مهوى قلوب العرب جميعًا قبل وبعد البعثة النبوية، والباطل لا يحب الخير والعدل والاستقامة كما أن الطغيان لا يسلم للعدل والمساواة والكرامة جوهر الفعل السياسي في الإسلام: هو السعي الناشط نحو معرفة الوحي ونحو إقامة العدل على ما يقتضيه. لقد كانت سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم ببذل الوسع فكرًا وسلوكًا في تصريف أمور الناس لإحقاق الحق وإبطال الباطل وإن التجمع في دار الأرقم سياسة حكيمة قائمة على الإيمان بالله والأخوة على دين الله، يدل على عمق الفهم والبصيرة النافذة حيث أسس القاعدة الصلبة للمجتمع الإسلامي (على اعتبار ما سيكون).

فبناء الدولة يحتاج إلى أنفس أبية شجاعة قادرة على كفاح الطغاة مع الاستعداد لبذل النفس والمال عند أول نداء. «إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين». ذلك أن هذا التجمع تشرب فيه المريدون والأتباع معطيات ومضامين وأفكار الدعوة الجديدة التي تقرر العدل والمساواة والحرية، هذه الأفكار التي ستحل محل الأفكار البائدة الزائفة التي يتبناها الملأ من قريش رغبة في السيطرة والاستعلاء والاستغلال والقهر والهوى، ومن ناحية أخرى يهدف التجمع بدار الأرقم لتحقيق كل من:

1ـ الوعي السياسي لدى الأتباع فالوعي والسلوك الإنساني يتبعان الوعي والتصور السائدين في المجتمع.

2ـ عوامل القوة عند الرجال الذين ستقوم على أكتافهم الدولة وهي الإيمان والإخلاص وحسن النية والأخلاق تسبقها طاعة الله ورسوله. حتى تستقيم لمبادئ ويتحقق الإيمان القوي بها ويتم لها الهيمنة الكاملة على الحياة العملية وهذا هو جوهر الفكر السياسي و(هو التخطيط لإدارة شئون الإنسان ولرعاية مصالحه، بما يتضمن ادعاء تلقائيًا بمعرفة خصائص هذا الإنسان الذي يخطط له) وبدأ التخطيط للهجرة فبيعة العقبة الأولى كانت بيعة الإيمان والعمل الصالح والخلق والسلوك وأما بيعة العقبة الكبرى فهي بيعة الجندية والمدافعة، بيعة اليقين والفداء والاستبسال يجمع ذلك مصطلح الجهاد بالمال والنفس.

وما جمع القوم؟ وعلام العزم؟

إنه الإيمان بالله والحب فيه، والأخوة على دينه والتناصر باسمه. وعزموا على حماية النبي صلى الله عليه وسلم ويمنعونه بأرواحهم ويقصمون ظهر الوثنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد