الهجرة ظاهرة عالمية منذ زمن بعيد بين البلدان والأمم، ترحال وعبور لدوافع مختلفة، من طلب العلم والمعرفة، وتبديل الأمكنة، هروبًا من الصراعات والحروب، والاضطهاد بأنواعه، ورصد الظاهرة وتحليلها يعني البحث في خفايا التاريخ وثقافة الجماعات بين الانغلاق والانفتاح، أسباب ظاهرة وأخرى كامنة، الرغبة في الرحيل أو البقاء تمليها مجموعة من القناعات والاختيارات، فرار فردي وجماعي، المغادرة الطوعية والقسرية، مقاربة الظاهرة سياسيًا واجتماعيًا ينطوي على حقائق كثيرة تشير في أغلبها إلى اختلال العالم، وغياب تكافئ الفرص، وتنصل القوى المحلية والعالمية في التوزيع العادل للثروات، وتحقيق المناصفة في حق الإنسان ونصيبه من خيرات الأرض.

ومقاربة الظاهرة نفسيًا وثقافيًا يشير كذلك إلى مجموعة من المعطيات الذاتية والثقافية، التي تعني رغبة المهاجر في العبور والفرار بحثًا عن الحرية وفضاء أرحب للعيش، نعثر في الأسباب على خلفيات متنوعة، وعندما نريد تحديد الأماكن التي يرغب فيها المهاجر، نجد أوروبا وأمريكا واستراليا، وكذلك الشرق، وخصوصًا البلدان النفطية. فالغرب بصفة عامة هيمن على ثروات العالم مسلحًا بالخطاب السياسي والقوة العسكرية، نتائج السيطرة واضحة، ظهور موجة من الحالمين والراغبين والناقمين على الأوضاع الاقتصادية في بلدانهم، من هوس الهجرة الفرار والمغادرة، فلا يمكن القول أن الأسباب موجودة في الاقتصادي، بل في رغبة الناس للعبور نحو عالم حضاري، تتغلغل في نفوس المهاجرين أحلام من جراء الصور العابرة من الأفلام، ومن شبكات التواصل الاجتماعي، ومن عائلات المهاجر في الغرب، من الأزمات الإنسانية طبعًا التي تعيشها بعض البلدان في أفريقيا واسيا، والهجرة العكسية من الغرب نحو هذه البلدان لها طابع اقتصادي محض، في هجرة الرساميل والشركات العابرة للقارات، وتدفق الاستثمارات والهرولة نحو أفريقيا، وبناء شركات عملاقة، لأجل البحث في سوائل الأرض واستخراج معادنها النفيسة، أفريقيا القارة السمراء الشاسعة والغنية بالموارد الطبيعية الهائلة، تجد نفسها الآن أمام رغبة الكل في الاستثمار، هذا الذي يعتبر مفيدا في ظاهرة شديدة التعقيد وكونية، يمكنه إلزام الإنسان للبقاء في أرضه دون الفرار، لكن عوامل أخرى نعتقد أنها مهمة تتعلق بالأنظمة السلطوية والقبضة الحديدية التي لا تتناسب وحقيقة الانتقال الديمقراطي، فمن المفروض أن يكون البقاء مصاحبًا لكل تنمية بشرية، وليس ما يتعلق بالتسهيلات الخاصة بالاستثمارات الأجنبية، الأهم في ذلك الكف عن استنزاف الخيرات بدافع التنمية التي لا تنعكس إيجابًا على الإنسان.

المهاجر والمنظمات الإنسانية

المهاجر كل إنسان سكن في بلد معين لمدة تتجاوز السنة، سواء كانت هجرته نظامية شرعية أو غير نظامية، كل من لجأ إلى البلد الآخر، فرارًا وعبورًا لأسباب تكون عرقية، أو دينية، أو سياسية، أو ثقافية، ونتيجة لأسباب تتعلق بالتغيرات المناخية والبيئية، كالخوف من الإعصار والزلازل، نزوح بأعداد متفاوتة وبحسب المواقع الجغرافية.

 تزايدت أعداد المهاجرين في العالم حسب إحصائيات المنظمة العالمية للهجرة، بلغت 258 مليون في 2017 بزيادة كبيرة مقارنة مع سنة 2000، حيث بلغت 173 مليونًا، أما في سنة 2019، فقد بلغت الإحصائيات 272 مليونًا، وتقرير المنظمة العالمية للهجرة التابعة للأمم المتحدة يحذر من الزيادة في نسبة الهجرة، وما ينتج عنها من أزمات إنسانية غير قابلة للحل، أزمة اللاجئين وأعداد الموتى في البحر الأبيض المتوسط، أما الوجهة المفضلة، فهي بالطبع البلدان الغنية، خصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تضاعفت نسبة اللاجئين والفارين من الحروب والصراعات من بلدان الصراع نحو أوروبا الغربية، وخصوصًا ألمانيا، ونحو أمريكا الشمالية، كندا والولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك أستراليا ونيوزيلندا، ماسي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهادي تشهد بذلك.

معظم المهاجرين يأتون من البلدان التي تعاني من صراعات داخلية أو تلك التي تعيش الفقر، لكن بقية الدول، مثل الصين والهند، الأكثر عددًا من حيث المهاجرين، رغم التنمية العالية فيهما، لكن نعتقد أن الاندماج وأجواء الحرية والديمقراطية في الدول الغربية، وقوة اليد العاملة المالكة للخبرة والكفاءة تساهم في تدعيم الاستقرار في البلدان المصدرة للمهاجرين، فرغم الجهود المبذولة من قبل الأمم المتحدة، واقع الحال يشهد تنامي الأزمات الإنسانية، ولا يمكن استئصال الهجرة أو التقليل منها إلا من خلال حل المشاكل والأزمات المستفحلة من مخلفات الحروب العرقية والدينية، والصراع على السلطة، وتحفيز الدول على التنمية المستديمة، في إرادة القوى المحلية على محاربة أشكال الفساد والشطط في استعمال السلطة، وتفعيل القوانين في المراقبة للشأن العام، ناهيك عن المناخ السياسي الذي يكون مصاحبًا لكل عملية إصلاح، ما يغري المهاجر في الغرب يمكن توفيره في أماكن متعددة، وما يرغب فيه المهاجر عملية جذرية في البناء الديمقراطي للأوطان، أما مساهمة المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة في العمل والدعم والمساندة، فإنها مكملة للبناء السليم للدول، أعمال المنظمة السامية لشؤون اللاجئين في خدمات وإسعافات، وهذا لا يعني محدودية الخدمات، بالمقابل هناك ما يتعلق بالعراقيل السياسية والتدابير الاحترازية، هناك دول يرغب فيها اللاجئ، وضعية هؤلاء مخالفة للمهاجر الشرعي؛ لأنهم جاءوا فارين من أوضاع قاتمة، من الصعب عودتهم إلى بلدانهم إلا للذين غادروا أوطانهم نتيجة الحروب والصراعات. ما تقدمه المنظمات الدولية من مساعدات في صيانة الكرامة والإنسانية يعتبر قليلًا مع تدفق الأعداد الكبيرة من الراغبين والفارين نحو البلدان الغنية.

العولمة والهجرة

الهجرة انتقال الإنسان من مكان لآخر، والعيش والاستقرار المؤقت أو النهائي بناء على رغبة الفرد في الإقامة، وغالبا ما تكون الميول والمواقف سببًا في الاستقرار النهائي أو العودة للوطن الأم، الأمر هنا يتعلق بالمهاجر الشرعي الذي غادر مكان إقامته طوعًا وقسرًا، رغبته في العلم والمعرفة أو الحرية وتحسين وضعه المادي، والفرار من الصراعات والحروب، وعندما يرتحل الناس ويغادرون أوطانهم، هناك موجة عالمية للنزوح والمغادرة نحو بلدان العولمة، بلدان الرخاء والأحلام كما يتصورها المهاجر، تترسخ في ذهنه بفعل ما تقدمه التكنولوجيا والصورة عن العالم الرأسمالي الغربي، وبذلك من حق هؤلاء أن ينعموا بخيرات الآخر في ظل سياسة العولمة التي من المفروض أن تشمل البضائع والسلع وتنقل الأشخاص، في عالم يعرف بـ«القرية الكونية» تتقلص فيه المسافات، وتلتقي الثقافات والحضارات، ولم يعد هناك حاجة للخوف من الآخر العابر والراغب في الاستقرار، بدون التوجس من الهويات العابرة، ويكفي أن يلتزم المهاجر بقوانين الهجرة حتى يصبح مواطنا.

في دقة المواقف نلمس التناقض في الخطاب السياسي الغربي مع الواقع، عندما تختزل العولمة في الجانب الاقتصادي والتجاري، ولا تعني التعميم الممكن للنمط العقلاني في الإدارة أو تعميم الممكن في نمط التعليم والتربية والثقافة، أو على الأقل يكون التأثير متبادلًا في الأنماط الثقافية، يغادر المهاجر بلده وهو محمل برواسب الثقافة الأولى، وسريعًا يرغب في الاندماج الاقتصادي والثقافي، ولا يرغب في الذوبان الكلي، وهذا يطرح مشاكل يعبر عنها الغرب في شكل خطاب معاد للمهاجرين، وعدم الانصياع للمنظمات الإنسانية في قبول اللاجئين، والحد من انتشار المخيمات التي تنصب هنا وهناك، والتقليل من الهواجس والمخاوف في انقسام المجتمعات إلى هويات قاتلة ومدمرة، ولم تزل فكرة الهجرة تهيمن على العالم، وتبحث الأمم المتحدة من خلال مؤتمرات ولقاءات عن حلول عملية من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة، هجرة صيانة للحرية والكرامة.

والعولمة التي نعتقد أنها سياسية واقتصادية في تقليص الفوارق الطبقية، والتقليل من الحروب في تجارة واسعة تعكس حجم التبادل التجاري بين الأمم، الأمل في القضاء النهائي على الفقر، وسوء التغذية، التي تعتبر بمثابة أفكار عامة ومفيدة للتقارب بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب، نهاية الصراع الإيديولوجي وإفساح المجال للتجارة الدولية المنصفة، لكن بقي العالم وفيًا للتقسيم القديم للعمل، بين الدول المصنعة والمالكة للتكنولوجيا والأدوات العلمية، والدول التي تمتلك اليد العاملة الرخيصة والموارد الطبيعية، فلن تكون العولمة عادلة ومنصفة للعالم الثالث، ولن يتنازل العالم الرأسمالي والقوى الصاعدة عن مصالحها في عبور سلس وطبيعي للإنسان من مكان لآخر، إحساس اليمين المحافظ في أمريكا والقوى المناهضة للهجرة كان جليًا في الخطاب الرسمي، وبناء الجدار بين أمريكا والمكسيك وإجراءات الحصول على التأشيرة. يجب أن تتحول الهجرة لأمر اختياري، وليس قسريا أو نتيجة الفرار من الحروب والمجاعات، والهروب من الأزمات الاقتصادية، الحل البديل في إعادة تصويب سياسة العولمة، عندما تتحول الخبرات الغربية مباشرة نحو تنمية العالم الآخر، وعندما تسود الأنظمة الديمقراطية، والكف عن مساندة الأنظمة الشمولية في العالم الثالث، أن تكون الشراكة متوازنة في هذه الحالة، سيكون الترحال طوعيًا، والاستقرار مبنيًا على الحرية ورغبة الإنسان في الإقامة، بل تتحول الهجرة عكسية من الغرب نحو الجنوب والشرق، هنا يمكننا الحكم على مصداقية العولمة في التوافق بين الخطاب والفعل، أما الحلول المستعجلة، والتي غالبًا ما تكون في مصلحة الدول المتقدمة، فلا يمكنها بناء عالم متوازن، وتبقى الهجرة القسرية وأزمة اللاجئين تعبير عن عالم يزداد توحشًا، توسيع الهوة بين الأغنياء والفقراء، واقع مادي معاش، فالمهاجر الأفريقي الذي يعبر من جنوب الصحراء لا يمكننا إقناعه بالرخاء الموعود للعولمة، والاستثمار الوشيك في أفريقيا، إنه يرغب في الذهاب إلى أوروبا كحلم يراوده متى سنحت الفرصة لذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد