إن الوجود في دولة أجنبية يعني المشي على حبلٍ عالٍ عن الأرض، بلا شبكة أمان كتلك التي توفرها بلدك الأم، البلد التي فيها أهلك وزملاؤك وأصدقاؤك، وحيث يسهل عليك أن تقول ما تشاء بلغة تعرفها منذ الطفولة.

– ميلان كونديرا في رواية (كائن لا تُحتمل خفته).

فيما مضى رفضت فكرة الهجرة، استنكرتها، نعم وطني مذبذب ومشتت، لكني مُحب رغم كل شيء؛ هنا ذاتي وكل من إليه أنتمي. لم أكن أعلم أن الزمان يسايرني، فوطني الفتيِّ مريض بإعياء متأصل في جذوره، يتناوب عليه المجرمون يجرعونه سمًا بطيء التفاعل، يأتي عليه منوِّمًا، يلسع فيضحى مؤلمًا.

وثمنًا لآلامي وخيباتي، سأبتاع الانطلاق وأنشد على نهج الطير مناديًا الحرية، إذ أن لا شيء أصبح يربطنا بأوطاننا سوى انتماء يمتزج بهوى جارف في القلب، لكنه لم يعد كافيًا ليحيينا، إنما للدرب مئة طريق وأولها الهجرة، إن كنت توافقني الشعور فهيا بنا معًا نستبصر الطريق.

في البداية، كيف نستعد؟

قبل اتخاذنا قرار الهجرة بشكل جدّي دعنا نضع نُصب أعيننا هذا التساؤل؛ هل اختياري صحيح؟ هل هذا البلد سيمنحني فرصًا حقيقية لم أجدها في وطني؟

الأمر لا يتوقف هنا على إجابتنا للسؤال بنعم أم لا، بل بتحليل هذه الفرص، وهل هي حقيقية أم مجرد سراب وأضغاث أوهام تصورها لنا رغبتنا العمياء في الهجرة، لنقم بدراسة هذه الفرص بتمهل قبل مناقشتها مع أنفسنا، لنتكلم بعد ذلك مع أصدقائنا والمقربين، ونستمع لملاحظاتهم بتروٍّ كي نبصر الأمور من كل الزوايا، ولنعقد مقارنات بين ما نحن فيه وما سنذهب إليه ونقدم عليه، إذا اصطفت النقاط إلى جانب أن نهاجر؛ فدعنا لا نضيع وقتنا ونستعرض بعض الأفكار.

دعنا نتفق أن الهجرة للعمل أكثر فطنة من الهجرة للدراسة، ولكن، لكلا المسارين ذات الدرب، فإن كان سعينا إلى الهجرة للدراسة، فلعل هذا الموقع خير معين إن خصصنا بالذكر بريطانيا: UCAS

أضف إلى ذلك، أن الأعمار ما بين 18 إلى 38 عامًا هي العمر المثالي للهجرة، خاصة إذا كنا في منتصف العشرينيات، أما إذا كان عمرك أكثر بكثير فلا تفقدن حرارة الأمل؛ إذ أن كندا على سبيل المثال تقبل ما فوق الخمسين.

المجالات الطبية بأفرعها هي الأكثر طلبًا، ما أثار دهشتي هو أن الممرضين هم في الأغلب على رأس لائحة المهن المطلوبة بشدة هناك خاصةً في كندا، يليهم المحاسبون وأصحاب المهن العامة، لكن لائحة المهن المطلوبة في كل دولة تتغير مع السنين وتتقلب تقلب الفصول، وتُشترط الخبرة في المجال لا تقل عن سنة إلى جانب الشهادة أيًا كان المؤهل.

ما هي اللغة المناسبة؟

الإنجليزية هي لغة معظم دول المهجر، فمفتاحنا يكون بإتقانها، ولإثبات ذلك علينا بشهادة معتمدة تأتينا بخوض أحد الامتحانين؛ إما الأيلتس أو التويفل.

لطالما التبس عليَّ الاثنان وتداخلا، فما الفارق؟

شهادة التويفل معترف بها في كل الجامعات الأمريكية وبعض الجامعات البريطانية والنيوزلندية وكندا، حيث هي الأساس في القبول الجامعي. أما شهادة الأيلتس فهي معترف بها من المملكة المتحدة وأستراليا وأيرلندا ونيوزلندا وكندا، حيث يعترف بهذه الشهادة في هذه الدول في الكثير من الهيئات المهنية المهمة مثل دائرة الهجرة مثلًا في نيوزلندا.

مهارات: التحدث-الاستماع-القراءة-الكتابة هي فحوى ومضمون كلا الامتحانين، وإن تباعدت طريقتهما كثيرًا، ومع ذلك فالعديد من الجامعات الدولية تقبل كلا الشهادتين.

الهدف من كلا الاختبارين هو ذاته، وهو إثبات كفاءتنا اللغوية وقدرتنا على التأقلم مع الدراسة الإنجليزية والمجتمع الجامعي. التويفل على سبيل المثال يمكننا من أخذ الاختبار عبر الإنترنت، وبالتالي يكون مناسبًا وسهلًا أكثر لمن يرغب في أخذ الامتحان وهو جالس على أريكته.

كيف أختار وجهتي؟

كندا هي بلا شك أرض الأحلام، والتي أُطلق عليها الدولة الأكثر ودية تجاه المهاجرين خاصة اللاجئين منهم، بينما أستراليا فهي حاضنة الموهوبين وإحدى أكثر الدول تميزًا، وذات تنوع ثقافي هائل، وتقع بحسب التصنيف العالمي في المرتبة الثانية من حيث جودة التعليم الأساسي، أما نيوزيلاندا فهي الدولة السلمية التي يهيم في جمالها السكان.

تلك الدول التي تطبع فيها الحياة الكريمة، واحترام حقوق الإنسان، والتقدم والأمن واتساع أفق الحريات تجمعها سمات أساسية مشتركة:

أ- الأيلتس باعتبارها شهادة معتمدة.

ب- نظام الهجرة المبني على أساس النقاط: تعتمد على عمرك والخبرة في العمل وإتقان اللغة، وغيرها من العوامل الأخرى.

ج- مرور خمس سنوات من الإقامة في إحدى تلك البلدان قبل التقديم على الجنسية.

على أي حال، إذا زادت حيرتك وأردت الخوض في مميزات كل دولة، فإليك التفاصيل باختصار:

نيوزيلندا

نيوزيلندا بطبيعتها الخلابة هي إحدى الدول الأكثر جمالًا وسلميةً للهجرة والعيش على مستوى العالم، أضف إلى وديتها في معاملة المهاجرين تسامحها مع من تطأ قدماه أرضها بطريقة غير شرعية، نهجها الحرية ودستورها الحفاظ على حقوق الإنسان، نظامها يقوم على تجميع النقاط لدعوة المهرة من العمال والطموحين من الطلبة للعمل أو الدراسة بها عن طريق المنح الدراسية، اختيارك للتأشيرة مؤقتة أو دائمة هو ما يحدد مدتك هناك، بحسب الإحصائيات فإن الدخل السنوى للفرد يقارب 31 ألف دولار.

كندا

كندا الحلم البعيد، الأرض الخصبة التي سمادها مزيج من الجنسيات وخليط من الثقافات، العامل الجذاب الأول يكمن في تنوع تأشيرة الهجرة إليها، تلك التأشيرة تضم بشمول معظم مجالات العمل والوظائف المعروفة، والأجور جيدة للغاية في سوق العمل الكندي، التعليم في كندا أيضًا مشهود بجودته العالية؛ فهي في مصاف الدول الأولى التي حصل علماؤها على جائزة نوبل العريقة، وبسبب حاجة كندا الدائم لمزيد من الأيدي العاملة فقد عمدت إلى إنشاء نظام هجرة جديد وسريع في مطلع عام 2015 وهو ما يعرف باسم إكسبريس إنتري.

هذا البرنامج هو عملية إلكترونية تشمل الحكومة وأرباب العمل الكنديين، من موقعهم ستقوم بالتسجيل وملء بياناتك الشخصية من خبرة العمل والتعليم وما إلى ذلك، بعد ذلك ستقوم الحكومة باختيار هؤلاء المرشحين استنادًا إلى البيانات والوثائق المقدّمة، إذا كنت محظوظًا وحصلت على عرض عمل، سيتم دعوتك لتقديم طلب الحصول على إقامة دائمة.

أستراليا

في الحقيقة الهجرة إلى أستراليا صعبة جدًا، أحيانا معقدة، وكثيرًا ما تنتهي المحاولات بالفشل، لكن لكل عقدة حلَّال كما يقولون، لذا إن كنت ما زلت متمسكًا بالهجرة إليها فليس أمامنا الكثير من الوقت؛ إذ تتضاءل تلك الفرص في العقد الرابع وتختفي عند الخمسين! من خلال إحدى السفارات الأسترالية المنتشرة في دول العالم، سيكون بمقدورك الحصول على فيزا سياحية إلى أستراليا إذا كان لديك إقامة رسمية في أي دولة أخرى.

في حالة حصولك على الفيزا السياحية – والتي مدتها 3 أشهر – يمكنك أن تقوم بعد وصولك بتوكيل محام من أجل أن تحصل على إقامة دائمة، وبموجب ذلك تدفع للمحامي أتعابًا تتراوح بين 3 آلاف دولار إلى 4 آلاف دولار أسترالي، علمًا بأن المحامي سيخبرك بإمكانياته في تحقيق ذلك سلفًا.

هناك طريقة أخرى للوصول إلى أستراليا، وهي إذا كان لديك قريب يقيم فيها، سيكون بإمكانه أن يقدم لك طلبًا للحصول على فيزا زيارة (دعوة) وبعد وصولك تقوم بتوكيل محام؛ لأن الفيزا مدتها ثلاثة أشهر كما ذكرنا قبلًا، وعليك بعد ذلك انتظار قرار وزارة الهجرة في طلب لجوئك إذا ما انقضت المدة.

حسنًا.. ماذا عن الدول الأوروبية؟

لنقل أن وجهتك هي بلجيكا، فما الذي تحتاج إليه؟ فقط حاول الحصول على تأشيرة دخول إليها، ثم قدم لاحقًا على تصريح العمل وتأشيرات الإقامة الطويلة، حينها سيكون بمقدورك بسهولة إجراء معاملات تأشيرة الإقامة في بلجيكا، طالما لديك تصريح عمل، وإذا كنت لا تزال تبحث عن وظيفة، فإن مكتب الهجرة يمكن أن يمنحك تأشيرة مؤقتة.

أما إذا كانت إيطاليا هي ما تصبو إليه، فما تحتاجه هو بدء معالجة عملية الحصول على التأشيرة وتجهيز الوثائق اللازمة، ويمكنك أن تمضي بشكل جدي نحو أن تكون مهاجرًا قانونيًّا، وفيما بعد يمكنك أن تحسن من وضعك عن طريق شراء أو تأجير منزل؛ لأن هذا الأمر يعد أيضًا استثمارًا لا بأس به في بلد تعد بوتقة السياحة في أوروبا.

ولكن إذا كنت متحدثًا للألمانية، تائقًا للهجرة إليها، فأمامك إحدى السبيلين لتسلكهما:

1- التقديم على برنامج الهجرة لألمانيا من خلال العمل الاجتماعي، وهو أن تعمل موظفًا في مؤسسات المجتمع المدني في ألمانيا التي تساعد المعاقين وكبار السن. شروط العمل بسيطة وهي التواصل مع إحدى المؤسسات وأن يكون سنك متجاوزًا 18 عامًا، ولديك معرفة بأساسيات اللغة الألمانية. أما المميزات فهي أكثر من رائعة، كحصولك على تأمين صحي والإقامة والغذاء ونفقات السفر للدورات المدرسية ومصروف جيب يصل إلى 175 يورو شهريًا.

2- إن وجدت نفسك قادرًا على تغطية بعض المتطلبات، فيمكنك السعي إلى الحصول على «فيزا» البحث عن عمل في ألمانيا. وفي هذه الحالة ستكون في حاجة إلى جواز سفر سارٍ، وسيرتك الذاتية، وشهادات الخبرة، وتأمين صحي شامل، وتقديم ما يدل على قدرتك على إعالة نفسك خلال فترة البحث عن العمل بالفيزا، التي تسري مدتها لستة أشهر، والأهم هو اجتيازك لأحد مستويات اللغة الألمانية بنجاح.

لو أن تركيا هي وجهتك، فيمكنك الحصول على تأشيرة سياحية لمدة شهر أو ثلاثة أشهر من السفارة التركية في بلدك دون عناء كبير؛ كل ما تحتاجه هو حساب بنكي جيد وجواب من جهة عملك، وتكون التأشيرة في متناولك.

عند وصولك تركيا، يمكنك التقديم على موعد في إدارة الإقامة والهجرة لتمديد إقامتك لمدة عام أو عامين آخرين، خلال هذه الفترة يجري معاملتك باعتبارك سائحًا أجنبيًّا، لكن يمكنك البحث عن عمل وفتح حساب في أي بنك، الجدير بالذكر أن القوانين التركية تسمح لك بتجديد سنوات الإقامة بصورة مستمرة ودون حد أقصى.

إذا أردت أن تحصل على على الجنسية التركية، سيكون أمامك طريقان؛ الأول أن تعثر على وظيفة معتمدة تمنحك إقامة عمل، وفي هذه الحالة تخصم الحكومة التركية ربع أو ثلث راتبك في صورة ضرائب، لكنك في المقابل تنال عدة امتيازات، أهمها التأمين الصحي الكامل، وبعد مضيّ خمس سنوات، يمكنك التقديم على طلب الحصول على الجنسية. الطريق الثاني هو أن تسعى إلى امتلاك عقار في تركيا، إذ يمكنك بعد مرور خمس سنوات على تملك العقار (الذي يمنحك تلقائيًا حق الإقامة في تركيا) التقدم بطلب للحصول على الجنسية أيضًا. أسعار العقارات في تركيا تتفاوت بشكل كبير طبقًا للمدينة والموقع، ويمكن أن تبدأ من حوالي 20 ألف دولار.

وأخيرًا، وليس آخرًا، فإن الهجرة إلى هولندا تكون على نظام الترشيح أو بمعنى أدقّ نظام عقود العمل. بمعنى آخر، إذا أمكنك التواصل مع أي جهة عمل في هولندا سواء عن طريق الإنترنت، أو عن طريق صديق أو حتى قريب، فيمكنك حينها السفر للعمل في هولندا إذا ما أتممت الاتفاق بين صاحب العامل وجهة العمل في هولندا؛ إذ أنه بشكل عام لا يمكن التقدم بطلب الهجرة إلى هولندا بشكل مباشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ملف كامل عن نظام إكسبريس إنتري للهجرة إلى كندا 2018
Australian Skilled Migration Visa
How Hard Is It To Move To Australia
Individuals and Travellers
Moving to Belgium: Complete guide to Belgian visas and permits
IELTS Vs TOEFL: Which Is Better?
How to Enter the United States
عرض التعليقات
تحميل المزيد